من الناصر إلى تأسيس… الانشقاقات التي ظنت الخرطوم أنها انتصار تحولت إلى كابوس أكبر
من الناصر إلى تأسيس… الانشقاقات التي ظنت الخرطوم أنها انتصار تحولت إلى كابوس أكبر
بقلم / عمار نجم الدين
كلما حدث انشقاق داخل حركة ثورية في السودان يندفع الخطاب المركزي إلى إعلان النهاية وكأن الثورة مجرد أسماء تتحرك ثم تختفي لا تعبير طويل عن أزمة عمرها عقود.
هذا ما يحدث اليوم مع الانشقاقات داخل الدعم السريع وانضمام بعض القيادات إلى معسكر الخرطوم.
لكن العقل المركزي يقرأ الثورات بالطريقة نفسها التي يقرأ بها تبديل الوزراء والضباط داخل الدولة.
خروج شخص يعني نهاية الدور.
بينما الحركات التي تولد من التهميش والحرب والانكسار التاريخي لا تتحرك بهذه البساطة.
هي تضعف وتنزف وترتبك لكنها كثيرًا ما تعيد إنتاج نفسها بصورة أكثر صلابة بعد الصدمة.
في تجربة الحركة الشعبية لتحرير السودان لم تكن الانشقاقات أحداثًا هامشية.
لام أكول أجاوين انشق سنة 1990 وأسّس الفصيل الموحد معتمدًا بصورة أساسية على أبناء الشلك ثالث أكبر مكوّن اجتماعي داخل الجيش الشعبي.
ثم جاء انشقاق رياك مشار سنة 1991 عبر مجموعة الناصر وخرج معه قطاع واسع من أبناء النوير وهم ثاني أكبر مكوّن اجتماعي وعسكري داخل الحركة الشعبية آنذاك.
أما كاربينو كوانين بول فكان أحد المؤسسين الثلاثة للجيش الشعبي والرجل المرتبط رمزيًا بالطلقة الأولى لثورة 1983م.
وحين انتهى مقتولًا في حادث طائرة الناصر الشهير بدت الحركة لكثيرين وكأنها تدخل لحظة تفكك نهائية.
ولعل واحدة من أكثر مفارقات التاريخ السوداني قسوة أن بعض القيادات التي غادرت الحركة الشعبية واصطفت مع الخرطوم انتهت نفسها ضحية داخل معادلات المركز الذي تحالفت معه.
فكاربينو كوانين بول وارب طون أروب المرتبطان باتفاقية الخرطوم للسلام انتهيا في حادثة طائرة الناصر الشهيرة في ظروف ظلت حتى اليوم محاطة بالأسئلة.
والمفارقة هنا ليست حادثة الطائرة نفسها بقدر ما تكشفه من طبيعة العلاقة بين المركز والجماعات المنشقة عنه.
فالمركز السوداني تاريخيًا لا يتعامل مع هذه الجماعات كشريك كامل في إعادة تعريف الدولة بل كأدوات مؤقتة داخل توازنات الحرب.
ولهذا كثيرًا ما تتحول لحظة الاصطفاف مع المركز إلى بداية تآكل القوة السياسية للحركات المنشقة نفسها.
في تلك السنوات لم تكن الحركة الشعبية تخسر قادة فقط بل قرى كاملة وأسرًا انقسمت بين معسكرين ومقاتلين كانوا بالأمس في خندق واحد.
لكن المفارقة أن المرحلة نفسها شهدت توسع الحركة الشعبية في جبهات أخرى.
ففي الوقت الذي كانت فيه تنزف داخليًا كانت حاميات الجيش الحكومي تتهاوى في النيل الأزرق وجبال النوبة وتسقط الكرمك وقيسان وتُحاصر الدمازين بينما تحولت هيبان وأم سردبة ووقفي والريف الشرقي لكادقلي إلى فضاء عسكري جديد للحركة الشعبية.
أي أن الحركة كانت تخسر قادة وتربح جغرافيا.
وهذه ليست خصوصية سودانية فقط.
في South Africa تعرض المؤتمر الوطني الإفريقي لانقسامات واغتيالات لكن مشروع مقاومة الفصل العنصري لم يسقط.
وفي Algeria شهدت جبهة التحرير الوطني صراعات دموية أثناء حرب التحرير لكنها خرجت أكثر قدرة على السيطرة.
وفي Angola واجهت الحركة الشعبية لتحرير أنغولا انقسامات متعددة لكنها تحولت لاحقًا إلى الدولة نفسها.
حتى الثورة الصينية مرت بانشقاقات كادت تعصف بالحزب الشيوعي قبل أن يعيد إنتاج نفسه ويصل إلى السلطة.
الثورات الكبرى لا تتحرك في خط مستقيم.
اللحظة التي تبدو فيها ضعيفة قد تكون نفسها لحظة إعادة بناء مركزها الحقيقي.
لكن الأهم هو فهم الطريقة التي يعمل بها المركز السوداني نفسه.
فالمركز تاريخيًا لا يتعامل مع الجماعات المنشقة كشركاء متساوين بل كأدوات مؤقتة تُستخدم لكسر الحركة الأم ثم يجري احتواؤها أو إفراغها من معناها السياسي.
منذ اتفاقية أديس أبابا ثم اتفاقية الخرطوم للسلام ظل المركز يرفع الاتفاقيات كشعارات احتفالية بينما يعيد عمليًا إنتاج الدولة القديمة نفسها.
ولهذا كتب Abel Alier مبكرًا عن نقض العهود والمواثيق بعد أن شهد بنفسه كيف جرى تفريغ اتفاقية أديس أبابا حتى انهارت بالكامل.
ولهذا انتهى كثير ممن دخلوا الخرطوم من بوابة السلام إلى واحد من ثلاثة مصائر:
الذوبان داخل ماكينة السلطة القديمة.
أو التحول إلى واجهات بلا تأثير.
أو التآكل البطيء بعد انتهاء دورهم الوظيفي.
ولهذا فإن الانشقاقات الحالية داخل الدعم السريع لا يمكن قراءتها فقط كخسارة عددية أو عسكرية.
السؤال الحقيقي أعمق من ذلك.
هل ما زال المشروع قادرًا على إقناع المهمشين بأن المستقبل ما زال ممكنًا؟
هنا يمكن استعارة مفهوم من علم المناعة يعرف باسم
antigen-antibody reaction
ففي علم أمراض الدم لا يُفهم دخول الجسم الغريب دائمًا بوصفه لحظة انهيار بل قد يتحول إلى لحظة استنفار وإعادة تنظيم للجهاز المناعي كله.
ومن هنا يمكن توصيف ما يحدث داخل الحركات الثورية بما أسميه:
((التفاعل الثوري المناعي))
أي تلك العملية التي تتحول فيها الصدمة والانشقاق إلى آلية داخلية لإعادة تعريف المشروع وفرز مكوناته وإعادة إنتاجه بصورة أكثر صلابة.
وفي هذا المعنى فإن خروج كيكل أو النور قبة أو السافنا لن يكون الأول ولن يكون الأخير.
فكل الحركات الكبرى حين تبدأ الانتقال من القبيلة إلى الدولة تدخل حتمًا مرحلة التفاعل الثوري المناعي.
المرحلة الأخطر في تاريخ أي حركة ليست لحظة الحرب العسكرية بل لحظة الانتقال من رابطة الدم إلى رابطة المشروع.
ومن يفشل في هذا الانتقال يعود إلى القبيلة ولو امتلك آلاف المقاتلين.
أما من ينجح فيه فإنه يخرج من الانشقاقات أكثر صلابة لأنه يكون قد حوّل الصدمة إلى عملية إعادة بناء داخلية.
المركز يظن دائمًا أن شراء المنشقين يعني هزيمة الثورة.
لكنه يكتشف متأخرًا أن الأزمة التي أنجبت الثورة كانت أكبر من الرجال الذين غادروها.
عمار .