استراتيجية “التفكيك من الداخل”: لماذا يفشل رهان الجيش السوداني في حسم المعركة؟
نشر موقع “أفريكا إنتليجنس” المتخصص في الشؤون الاستخباراتية، الأيام الماضية، تقريراً لفت الانتباه إلى تحول في استراتيجية قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، تمثل في محاولة تفكيك قوات الدعم السريع “من الداخل” عبر استقطاب انشقاقات نوعية، وعلى رأسها انشقاق اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ”القبة”.
التقرير الذي يناقش فكرة هل هذه الخطوة تمثل مناورة استخباراتية ناجحة ؟، أوضح التقرير في الوقت ذاته إشكالية عميقة أخرى؛ فاللواء المنشق متهم بالتورط في مجازر الفاشر، وهو ما يطرح تساؤلات محرجة، حتى داخل صفوف الجيش نفسه.
فشل استراتيجي
السؤال الأعمق الذي يتجاوز ما ورد في التقرير يتعلق بالنتائج الفعلية لهذه الاستراتيجية على الأرض. فبينما روجت الدوائر المقربة من الجيش لانشقاق القبة باعتباره “اختراقًا” سيفتح الباب لتفكك الدعم السريع، فإن قراءة متأنية للسياق الميداني و”القبلي” والاستخباراتي تشير إلى أن هذه الاستراتيجية لا تحقق أهدافها المعلنة، بل على العكس، قد تكون بدأت تظهر محدوديتها، بل وفشلها على المستوى الاستراتيجي.
حين تتفوق “الأعراف القبلية الصارمة” على الاستخبارات
إن الإطار الذي يروج له الخطاب الرسمي، والذي ناقشه ونقده تقرير “أفريكا إنتليجنس”، يصور انشقاق اللواء “القبة” على أنه ثمرة عملية استخباراتية معقدة قادتها أجهزة المخابرات العسكرية.
لكن الوقائع التي كشفتها مصادر ميدانية سودانية تروي قصة مختلفة تماماً. فوفقاً لتقرير نشرته صحيفة “سودان تريبيون” في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري، فإن الشخصية المحورية التي تقف خلف هذا الانشقاق ليست ضابط استخبارات، بل شيخ القبيلة موسى هلال، زعيم قبيلة المحاميد وقريب اللواء المنشق، وبدأ التواصل بينهما تحديدا بعد أحداث منطقة مستريحة.
هذه الحقيقة وحدها كافية لتضع النقاط على الحروف، ما حدث لم يكن اختراقاً مؤسسياً بقدر ما كان “صفقة قبلية”. فالولاء هنا لم ينتقل من طرف إلى آخر استجابة لمنطق الدولة أو القناعات الوطنية، بل تحرك وفق مفاتيح القبلية والروابط الأسرية.
موسى هلال، وهو شخصية مثيرة للجدل بامتياز، سبق أن قاتل إلى جانب الحكومة ضد الجنجويد، ثم انقلب وتحالف مع من شاء، ليظل دائماً في قلب شبكة الولاءات القبلية المتشابكة. وبالتالي، فإن الجيش لم ينجح في بناء “جسر اختراق” يمكن استخدامه مجدداً؛ بل دخل في لعبة قبلية لا يسيطر على مفاتيحها بشكل كامل، وإلا لماذا هذا الاختراق (الذكي) لم يحدث طوال ثلاثة أعوام كاملة؟
هل بنية قوات الدعم السريع قابلة للإنهيار بفقدان قائد؟
العامل الأهم في إضعاف هذه الاستراتيجية الذي يحاول الجيش إقناعنا بها (إجباريا) يكمن في طبيعة الخصم نفسه. قوات الدعم السريع ليست جيشاً نظامياً هرمياً، وفقاً لتقرير “أفريكا إنتليجنس” يمكن تفكيكه عبر إسقاط قادة كقطع الدومينو.
إنه شبكة هجينة، تجمع بين الروابط القبلية، والمصالح الاقتصادية، وإنضمام عشرات الآلاف من الرجال الذين تعرضوا لإهمال وتهميش ممنهج طوال عقود من حكم الحركة الإسلامية، وكذلك لا ننكر الولاء الشخصي المباشر لقيادة محمد حمدان دقلو، وفقاً للتقرير.
في مثل هذه البنية، يؤدي انشقاق لواء -مهما كان رفيع المستوى إلى صدمة مؤقتة، لكنها سرعان ما تُستوعَب عبر تعزيز قيادات ميدانية بديلة من ذات النسيج الاجتماعي.
وهذا ما يفسر لماذا لم نشهد، بعد أسابيع من انشقاق القبة، أي تدفق لانشقاقات مماثلة، رغم التصريحات المتفائلة التي أطلقها قائد الجيش عندما قال إن “الأبواب مفتوحة لمن يريد ترك التمرد” بل وتنازل عن سيارته الفارهه وكأن السيارات هي الهدف النهائي لعشرات الآلاف الذين يحاربون للعام الرابع ويسيطرون علي أكثر من نصف مساحة الدولة.
فالواقع ومجريات الميدان (غربا وجنوب وفي الجنوب الشرقي، بل وفي أقصي الشمال امتداداً من منطقة المثلث وحتي حدود دارفور)، يقول إن قيادة الدعم السريع تمتلك من المرونة والقسوة معاً ما يمكنها من إعادة ترتيب صفوفها بسرعة، وهو ما يحدث غالباً.
ما هو رد فعل الدعم السريع التحصين الداخلي أم التفكك؟
هنا نصل إلى الجوهر. فبعيداً عن الرواية الإعلامية التي تروج لانتصار الجيش، فإن ما يحدث فعلياً في صفوف الدعم السريع هو السيناريو المعاكس تماماً. فبدلاً من أن يتحول انشقاق القبة إلى “قنبلة موقوتة” تفتت الوحدة الداخلية، تحول إلى حافز لإجراءات أمنية مشددة.
يعمد القادة الميدانيون للدعم السريع إلى تشديد الرقابة على الوحدات المتبقية، وزيادة الشكوك في صفوف القادة الميدانيين، خصوصاً أولئك الذين تربطهم صلات عشائرية بمناطق متأرجحة، وفقاً لـ”أفريكا إنتليجنس”. بل وحتي القسوه في استخدام العنف الردعي ضد أي مؤشرات على التردد. فقد كشفت تقارير ميدانية عن تحقيقات داخلية استهدفت قادة صغار أثيرت حولهم شكوك بالولاء للجيش.
تشير تقارير وشهادات موثوقة علي بدءإعادة هيكلة سريعة لسلاسل القيادة، بحيث تُستبدل الشخصيات التي قد تكون عرضة للاستقطاب بأخرى أكثر ولاءً.
وهذا الرد الفعل “التحصيني” يغلق تدريجيا نافذة الانشقاق التي حاول الجيش أن يروج أنه يقف من وراء فتحها، ويجعل من الصعب تكرار تجربة القبة، خصوصًا مع إدراك بقية القادة أن خيار الانشقاق يحمل مخاطر وجودية علي مكوناتهم الإجتماعية.
لكن الأكثر خطورة على المدى البعيد هو الثمن الذي يدفعه الجيش على المستوى الأخلاقي والسياسي.
هنا يتقاطع التحليل مع ما أشار إليه تقرير “أفريكا إنتلجينس”، عندما لفت إلى أن اللواء القبة متهم بالضلوع في مجازر الفاشر، ما أثار تساؤلات حتى داخل الجيش، وهدم بالدليل سيديات حرب الكرامة المضلله التي تتبناها الحركة الإسلامية.
استيعاب شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان يضع الجيش في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، الذي بدأ يضيق الخناق على طرفي النزاع على حد سواء. ففي السابع عشر من أبريل 2026، أي قبيل انشقاق القبة بأيام، أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات استهدفت شبكات متهمة بتجنيد مرتزقة كولومبيين لصالح الدعم السريع، وهو ما يعكس تحولًا في المزاج الدولي نحو مقاربة أكثر صرامة مع كلا الطرفين.
والأدهى أن هذه الشخصيات، عندما تنضم إلى الجيش، تحول مؤسسته من “جيش وطني يحمي المدنيين” إلى “مظلة للمنشقين الملطخة أيديهم بالدماء”. وهذا يضعف الحاضنة الشعبية، خاصة في دارفور، حيث مازالت جراح المجازر غضة، ويجعل من السهل على خصوم الجيش وصف معسكره بأنه “مجرد تحالف مصالح” لا يختلف عن الدعم السريع في تعامله مع ملف العدالة الانتقالية.
الدليل الميداني الأكبر لماذا لم يتحقق التقدم بعد؟
في النهاية، كل هذه التحليلات تبقى نظرية ما لم تُختبر على الأرض. وهنا يأتي السؤال الحاسم: إذا كانت استراتيجية التفكيك من الداخل ناجحة، فلماذا لم ينعكس ذلك على الميدان؟ لماذا لم تشهد الجبهات انهياراً في صفوف الدعم السريع أو موجة استسلامات جماعية؟
لننظر إلى حقيقة لا يمكن دحضها، فك الحصار عن القيادة العامة للجيش في الخرطوم، الذي أعقبه انسحاب قوات الدعم السريع من العاصمة واستعادة الجيش للقصر الرئاسي، قد تم الترويج له عسكريًا وإعلاميًا باعتباره نصرًا حاسمًا. وقد صاحب هذا التقدم الميداني دعم تركي وإيراني بشكل أساسي، إلى جانب دلائل ثابتة على استخدام أسلحة كيميائية محرمة دوليًا، وهو ما يضع هذا “النصر” في إطار من الجدل الأخلاقي والقانوني.
الأهم من ذلك، أن هذا التقدم الميداني -مهما كانت طبيعته- لم يلتقِ بأي ترجمة حقيقية لاستراتيجية الانشقاقات التي راهن عليها الجيش. فانشقاق اللواء القبة، رغم الضجيج الإعلامي الذي أحاط به، ومحاولة تشبيهه بـ”تأثير كيكل”. أي ان انشقاق أبو عاقلة كيكل قبل عامين كان سبب مبلشر لأستعادة ولاية الجزيرة وسيتكرر الأمر في دارفور الان، ليس سوى أوهام لا تستند إلى أي واقع ميداني.
فالواقع يقول عكس ذلك تماماً، بنية الدعم السريع في دارفور، حيث يُفترض أن يكون تأثير القبة أكبر بسبب جذوره القبلية، لا تزال متماسكة ولم تتعرض لأي اختراق فعلي. لم تسقط أي ولاية من ولايات دارفور الخمس في يد الجيش نتيجة لهذا الانشقاق، بل على العكس، اتسعت رقعة الحرب لتطال جبهات جديدة في كردفان والنيل الأزرق، مما يعني أن الخصم لا يزال يمتلك زمام المبادرة في فتح جبهات متعددة.
إن استمرار قدرة الدعم السريع على فتح جبهات جديدة، وتجنيد مقاتلين جدد، وعدم حدوث أي خلل يُذكر في منظومة الإمداد اللوجستية لقواته، هو الدليل القاطع والأكثر إقناعًا على أن انشقاق قائد واحد -مهما كانت رتبته- لم ولن يهز أركان هذا التنظيم. فالهيكل المرن الذي يقوم عليه الدعم السريع، القائم على الروابط القبلية والمصالح الاقتصادية، يمنحه قدرة هائلة على امتصاص الصدمات وإعادة ترتيب صفوفه بسرعة، وهو ما نراه بوضوح اليوم.
الطائرات المسيرة تعيد خلط الأوراق
بل إن هناك عاملًا جديدًا يزيد من تعقيد الصورة ويضعف فرص الجيش. فخلال العام الماضي، بدأت الطائرات المسيرة تلعب دورًا حاسمًا في سير المعارك. وفي مفارقة ساخرة، كشفت تقارير استخباراتية أن جهاز المخابرات السودانية نفسه، بقيادة الفريق أحمد مفضل، هو من أدخل هذه التكنولوجيا إلى البلاد خلال زيارة إلى تركيا عام 2023، لكن الأمور انقلبت رأسًا على عقب عندما تمكن الدعم السريع من السيطرة على جزء كبير من هذه القدرات واستخدامها ضد الجيش وقواعده.
النتائج كانت وخيمة. ففي الأشهر الأولى من العام الجاري، شهدنا تصاعدًا غير مسبوق في الهجمات بالطائرات المسيرة التي نفذها الدعم السريع، مستهدفة مدنًا عدة، من بورتسودان إلى عطبرة، ومن الفاشر إلى الأبيض. هذه الهجمات، تثبت أن الدعم السريع لم يضعف فحسب، بل طور قدراته الهجومية واستمر في تهديد العمق الخلفي للجيش. فكيف يمكن التوفيق بين هذه القدرات الهجومية المتطورة ورواية “التفكك الوشيك” للدعم السريع؟
محرك الانشقاق
يبدو أن استراتيجية “تفكيك الدعم السريع من الداخل” التي تراهن عليها الحركة الإسلامية، والتي ناقشها تقرير “أفريكا إنتليجنس” كحدث ميداني، تتصادم مع حقائق ثابتة على الأرض.
هذه الاستراتيجية فاشله لثلاثة أسباب رئيسية، أولا لأن المحرك الحقيقي للانشقاق كان قبلًا وليس مؤسسيًا، ما يضعف إمكانية تكراره كنموذج يُحتذى. فالاعتماد على زعامات قبلية يمنح الخصم القدرة على التعامل مع الانشقاقات كحوادث فردية وليس كموجة منهجية. ثانيًا لأن رد فعل الدعم السريع الطبيعي كان “التحصين الداخلي” وتشديد القبضة الأمنية، وليس التفكك الذي راهن عليه الجيش. وهذا أغلق نافذة الانشقاقات سريعًا، وأعاد الأمور إلى المربع الأول. وأخيرا وهوالأهم، لأن التقدم الميداني للجيش في الخرطوم، لم يلتقِ بأي تقدم مماثل في دارفور أو كردفان. بل على العكس، واصل الدعم السريع هجماته الميدانيه وبالطائرات المسيرة، وفتح جبهات جديدة، وأثبت قدرته على الصمود والتكيف. أي ان ما حدث بعد فك الحصار لم يتبعه اي موجات انشقاقات، ولم تنهار خطوط إمداد الخصم، ولم يتحول الاختراق إلى تفوق استراتيجي. كل ما حدث هو “انتصار إعلامي” مؤقت، سرعان ما تلاشى تحت وطأة الحقائق الميدانية.
تبقى الحقيقة المرّة أن الحروب الأهلية لا تُحسم بهذه الطريقة. فكما أشارت تقارير عديدة، فإن الحرب في السودان دخلت عامها الرابع، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 120 ألف شخص، وتشريد 14 مليونًا آخرين. في مثل هذه الحروب، الانشقاقات العرضيه ليست سوى أعراض، وليست أسبابًا للحسم. وحتى يدرك الجيش أن الطريق إلى النصر الحقيقي هو وقف نزيف الدم السوداني و عبر استراتيجية عسكرية نزيهه تحرر الحيش من إيدولوجيه مهترئه بائسه، وليس عبر صفقات وسيارات فارهه مع شخصيات مثيرة للجدل، فإن الحرب ستستمر في استنزاف السودان بلا أفق قريب للحل.
صحيح السودان