تسليط بعض الضوء على المادة (3) من دستور جمهورية السُّودان لسنة 2025م

 تسليط بعض الضوء على المادة (3) من دستور جمهورية السُّودان لسنة 2025م

 

 

مهدي عبدالله حامد

 

حريٌ بنا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا الوطني أن نقوم بتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية لأن السودان اليوم يمر بفترة تتطلب منا شجاعة فائقة في طرح الحلول الجذرية للأزمات المزمنة التي أقعدت البلاد عن ركب التطور طوال العقود الماضية، ولعل النص الوارد في المادة الثالثة من مسودة دستور التأسيس لسنة 2025م حدد طبيعة الدولة بأنها دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية الأمر الذي يمثل حجر الزاوية في بناء الوطن الذي نحلم به دون إقصاء أو تهميش أو تمييز.

ولقد عانى الوجدان السوداني لسنوات طويلة من حملات تضليلية منظمة قادتها قوى الهوس الديني وتشويه قام به سياسيين الاتجاه الإسلامي إذ جرى التصوير قسراً بهدف شيطنة مفهوم “العلمانية” وربطه زوراً بالإلحاد أو العداء للأديان غير أن القراءة العميقة والفاحصة لهذا المفهوم في سياق الدولة الحديثة تؤكد أن العلمانية هي الضامن الوحيد لحرية الاعتقاد وللممارسة الدينية الحرة، فهي تقف على مسافة واحدة من جميع المكونات الروحية والثقافية وتمنع استغلال المقدسات في الصراعات السياسية الضيقة، وبذلك تصبح العلمانية وسيلة لتنزيه الدين عن أخطاء البشر وتجاوزات الساسة وكما أن تعريف الدولة بأنها “ديمقراطية” ضمن المادة الثالثة من هذا الدستور يعني بالضرورة أن السلطة تنبع من إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع لا عبر الادعاءات بالحق الإلهي أو الوصاية الدينية وهذا التحول الجذري يضع حداً قاطعاً لسنوات الاستبداد التي استترت خلف الشعارات الدينية لقمع الخصوم ونهب مقدرات البلاد، فالديمقراطية هنا هي الأداة التي تضمن التداول السلمي للسلطة وتحقق الرقابة الشعبية الصارمة على مؤسسات الحكم وتكفل حقوق الأقليات قبل الأغلبية في إطار سيادة القانون.

أما “اللامركزية” كضلع ثالث في هذه المادة فهي الاستجابة العملية لواقع التنوع الجغرافي والثقافي الهائل في السودان حيث تهدف إلى منح الأقاليم حق إدارة شؤونها وتنمية مواردها بما يحقق التنمية المتوازنة وينهي حقبة “المركز القابض” الذي تسبب في اشتعال الحروب في أصقاع البلاد المختلفة، إذ ان اقتران العلمانية باللامركزية يخلق بيئة وطنية متناغمة تحترم الخصوصيات المحلية في إطار الدولة.

الموحدة مما يعزز روح الانتماء للوطن الكبير بدلاً من الانتماءات الضيقة، وهنا يجب على جماهير الشعب السوداني بكل أطيافها ومشاربها أن تدرك أن هذا الطرح الدستوري ليس استيراداً لنماذج غريبة بعيدة عن قيمنا ولكنها استنباط ضروري لدروس التاريخ السوداني المريرة، فالإصرار على فرض لون واحد أو فكر واحد على مجتمع متعدد الأعراق والديانات كان هو السبب الرئيسي في تمزق النسيج الاجتماعي وانفصال جزء عزيز من الوطن، ومن هنا تصبح العلمانية الديمقراطية هي “طوق النجاة” الذي يحمي وحدة ما تبقى من السودان ويمنع الانزلاق نحو الهاوية.

بيد أن المخاوف التي يبديها البعض تجاه العلمانية هي مخاوف مشروعة نتيجة القصف الإعلامي الذي مارسته الأنظمة الشمولية، ولكن الرد العملي والموضوعي هنا يكمن في توضيح أن الدولة العلمانية لا تغلق المساجد ولا الكنائس بل تحرس حق الفرد في ارتيادها بكل طمأنينة وتكفل للدين مكانته السامية في قلوب الناس والمجتمع كقوة أخلاقية وتربوية وفي ذات الوقت تمنع من تحويل الأديان إلى برنامج سياسي إقصائي يفرق بين المواطنين على أساس ما يعتقدون، فالمواطنة في الدولة الجديدة هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات.

ومن هذا المنطلق فإن تبني المادة الثالثة من دستور 2025م يمثل بداية النهاية لخطاب الكراهية والتكفير ويؤسس لمجتمع يقوم على التسامح والقبول المتبادل، حيث يجد المتدين الحق في مساحة لممارسة شعائره في ظل قانون يحميه ويجد صاحب الفكر المختلف بيئة تحترم عقله وهذا هو جوهر العدالة المشتقة من قيم السماء والروح الإنسانية السوية، إذ لا إكراه في الدين ولا إجبار في السياسة ولا احتكار للثروة أو السلطة لأن المسؤولية الوطنية تقتضي من المفكرين والنشطاء ورجال الدين المستنيرين شرح هذه الرؤية بتبسيط وعمق لنزع فتيل التوتر الذي زرعته الجماعات المتطرفة، وكذلك للتأكيد على أن العلمانية في السودان هي “صلح تاريخي” بين مكونات الدولة وهي عقد يضمن ألا يظلم أحد بسبب دينه أو عرقه، فالدولة هي مؤسسة إدارية وقانونية تخدم البشر وليست حارساً على ضمائرهم أو وسيطاً بينهم وبين الخالق.

وبطبيعة الحال أن الإرادة الشعبية التي أسقطت عهود الظلام قادرة اليوم على بناء منارة الاستنارة، وجاءت المادة الثالثة من دستور التأسيس لتكن حجر الزاوية في هذه المنارة وهي الدعوة الصادقة لكل

سوداني وسودانية للمساهمة في بناء دولة المؤسسات التي تقوم على العقل والعلم والعدل لنمضي معاً نحو مستقبل يشرق فيه فجر الديمقراطية وتترسخ فيها قيم العلمانية كخيار وحيد لصيانة الكرامة الإنسانية وتحقيق النهضة الشاملة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.