قراءة في مواءمة “دستور جمهورية السُّودان لسنة 2025م” مع المواثيق الدولية
قراءة في مواءمة “دستور جمهورية السُّودان لسنة 2025م” مع المواثيق الدولية
مهدي عبدالله حامد
إنَّ القراءةَ المتأنية في بنود دستور جمهورية السُّودان لسنة 2025م تكشف عن وجود رغبة وطنية تؤمن باستعادة السيادة المفقودة متجاوزة حالة الانغلاق والجمود متوجهة نحو الانفتاح لتلد عهداً دستورياً جديداً يغسل عن جبين السودان دَرَن العقود العجاف، إذ ينبثق “دستور تأسيس لعام 2025م” كوثيقة حقوقية باذخة في قيمتها ورفيعة في مقاصدها لترسي دعائم دولة مدنية فيدرالية علمانية، حينما تتصافح السيادة الوطنية مع الالتزامات الدولية في مشهد مهيب يعلن للعالم أجمع ميلاد “جمهورية السودان الجديدة” وذلك بالنظر إلى جودة هذا النص الدستوري الفخيم الذي لم يكن عملية لإعادة ترتيب إدارة السلطة ولكنه كان ميثاقاً أخلاقياً وقانونياً يهدف إلى بتر أذرع الشمولية الثيوقراطية (الدولة الدينية) التي جثمت على صدورنا لعقود مستبدلاً إياها بهياكل مؤسسية تلتزم بأعلى معايير الحوكمة والعدالة الكونية.
ولقد جاء هذا الوضع الجديد على النقيض من تلك “الدغمسة الدستورية” التي خلفتها دساتير الحركة الإسلامية الإرهابية التي صِيغت بمكرٍ لتمكين الفئة الضالة في احتكار الموارد تحت عباءة “الشريعة” الزائفة، ليأتي دستور 2025م ليؤسس قطيعة معرفية وقانونية تامة مع ذلك الماضي المظلم، فبينما كانت دساتير النظام البائد مجرد أدوات لقمع التنوع السوداني وتكريس الدولة المركزية القابضة نجد أن دستور “2025” قد اعتمد النظام الفيدرالي الحقيقي القائم على ثمانية أقاليم إدارية، مانحاً إياها سلطات سيادية وحقاً أصيلاً في إدارة مواردها، مما يقطع الطريق أمام أي محاولة لاستعادة دولة الامتيازات الأحادية وهي فريضة دستورية نابعة من صلب المادة “4” من دستور 2025م التي أقرت علمانية الدولة وحياد الأديان عن مؤسساتها وذلك لضمان استناد التشريعات المحلية إلى المعايير الحقوقية الدولية والقوانين الوضعية التي تحترم كرامة الإنسان، فهذا التوجه الجديد يضع حداً قاطعاً للتشوهات القانونية التي أفرزتها دساتير 1998م و2005م التي اتسمت بالازدواجية والالتفاف على الحقوق والحريات الأساسية عبر مواد هلامية تبيح انتهاك الحقوق باسم “الأمن الوطني” و”قانون النظام العام” وكما أن الغوص في متون هذه الوثيقة التاريخية الجديدة نجد بأن المشرع السوداني في عهد “تأسيس” قد جعل من “سيادة القانون” حجر الزاوية، حيث نصت المادة “15” دستور 2025م صراحة على تساوي الجميع أمام القانون في الحماية والاستفادة، دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين، وهو ما يمثل تنفيذاً دقيقاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى ذلك، فإن هذا الدستور قد أرسى القواعد الذهبية لحماية المدنيين في فترات النزاع، متوافقاً بشكل مذهل مع القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وهي بنود تظهر لأول مرة بهذا الوضوح في تاريخ الدساتير السودانية مما يعزز من مصداقية الدولة الجديدة أمام المجتمع الدولي.
ومن الناحية الدبلوماسية، فإن التزام حكومة “تأسيس” بالمواثيق الدولية يتجلى في سياستها الخارجية القائمة على حسن الجوار، واحترام السيادة، ومكافحة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود، واعتبار الاتفاقيات الدولية جزءاً لا يتجزأ من النسيج التشريعي الوطني، وبذلك ان هذا الالتزام يوجه رسالة طمأنة لدول العالم بأن “تأسيس” هي الشريك الموثوق الذي يسعى لإرساء السلام الإقليمي والدولي، بعيداً عن سياسات المحاور والتطرف التي تبناها النظام الإرهابي البائد.
وكما أنَّ المقاربة القانونية بين دستور 2025م وما سبقه من دساتير الحركة الإسلامية تكشف عن هوة سحيقة بين فكرٍ يسعى لـ “تمكين” التنظيم وفكرٍ يهدف لـ “تأسيس” الدولة فالأول جعل من القانون سوطاً للقهر والعذاب، بينما جعل الثاني من الدستور مظلة للجميع حيث ان العدالة الانتقالية تمثل ركيزة أساسية في دستورنا الجديد، وبذلك فإن مواءمة القوانين المحلية مع نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد أصبحت ضرورة ملحة لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب وضمان عدم الإفلات من العقاب، وهو ما كان مستحيلاً في ظل دساتير الحركة الإسلامية التي كانت تحمي القتلة وتمنحهم الحصانات المطلقة.
وعلاوة على ما تقدم، فإن المشرع في دستور “2025” يعمل بجد على تنقية القوانين الوطنية من كل ما يشوبها من تمييز ضد المرأة أو تهميش للأقليات، لربما مستلهماً نصوصه من “سيداو” والاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل، لتكون البيئة التشريعية السودانية بيئة جاذبة للاستثمار وحاضنة للإبداع الإنساني، وبناءً عليه، أضحى من المحتمل أن تتعامل كافة الهيئات الدولية والمنظمات الأممية مع واقع “تأسيس” كحقيقة قانونية ودستورية لا تقبل الجدل، فهي التعبير الصادق عن إرادة الشعوب السودانية في الانعتاق من ربقة الاستبداد.
وبهذا، فإن دستور “تأسيس” لعام 2025م يمثل المعجزة السياسية التي انتظرتها الأجيال طويلاً، فهو ليس مجرد حبر على ورق، ولكنه العقد الاجتماعي الجديد الذي صهر التنوع في بوتقة المواطنة المتساوية، وهو الخلاصة القانونية التي استخلصت العِبر من دماء الشهداء وأنين الجرحى، لتقدم للعالم وثيقةً هي “منارة للحاضر” و “ميثاق للمستقبل” وبهكذا واقع جديد تخلّق للتو فإن السودان قد طوى صفحة “دولة الجماعة” ليفتح كتاب “دولة المؤسسات” حيث يعلو صوت القانون فوق كل صوت، وتصبح المواثيق الدولية هي المرآة التي تعكس رقي تشريعاتنا المحلية، ولتظل “تأسيس” هي الملاذ والرجاء لوطنٍ يستحق الحياة بكل كرامة وشموخ.