حين يصبح الذبح سياسة: ولا للحرب جريمة
حين يصبح الذبح سياسة: ولا للحرب جريمة
مكين حامد تيراب.
تتوالى الانتهاكات بوتيرة لم تعد تحتمل الوصف، وكأن العنف صار لغة يومية، بل سياسة مُعلنة تُمارس بلا خجل. في كل صباح، يستيقظ السودانيون على مشهد جديد من الفظائع، حيث تتجلى القسوة في أبشع صورها، وتُداس كل القيم الإنسانية تحت أقدام آلة حرب لا تعرف الرحمة.
زيارة والي الولاية ( يرجح إنها ولاية النيل الابيض) ، برفقة لجنته الأمنية لما يُعرف بـ”وحدة الضباحين” ليست مجرد حدث عابر، بل مؤشر خطير على انزلاقٍ أخلاقي كامل ، حيث يُكافأ الجلاد، ويُمنح القتلة غطاءً رسميًا، في مشهد يختزل حجم الانهيار الذي أصاب بنية الدولة والمجتمع. هذه ليست مجرد وحدة عسكرية، بل رمز لعقيدة قائمة على الرعب، حيث يُذبح الإنسان لأنه إنسان.
ما حدث في أم روابة ، من ذبح الأستاذ / أحمد الطيب عبيد الله، المربي ورمز الاعتدال، ليس حادثة منفصلة ، بل حلقة في سلسلة ممتدة من الجرائم التي طالت المدنيين في الكنابي ، حيث لم يسلم حتى الأطفال والنساء الحوامل اللائي بقرن بطونهم ، بطشٍ لا يفرق بين حياة وأخرى. تمزيق الأجساد ، التمثيل بالضحايا ، والتنكيل بهم ، تلك ليست أفعالًا عشوائية ، بل تعبير عن ثقافة موت تتغذى على العنصرية و الكراهية وتستمد قوتها من الإفلات من العقاب.
هذه الجماعات لا ترى في السلام خيارًا، بل تعتبره خيانة. كلمة “لا للحرب” تُصنف لديهم كجريمة، وكأن الدعوة للحياة أصبحت خروجًا عن الدين والوطن. إنها معادلة مقلوبة ، يُدان فيها الضحية، ويُبرأ فيها الجلاد.
ولم تكتفِ آلة الحرب بالذبح المباشر، بل واصلت قصفها الجوي عبر الطيران المسيّر ، مستهدفة القرى والأسواق ومصادر المياه ، لتكمل دائرة الموت ، وتدفع بالمجتمعات نحو الانهيار الكامل ، ولا ننسي إستخدام القوي المميته التي يتحدث عنها جيش الاخوان والتي أطلعنا علي تقاريرها عبر المنظمات الدولية و والمؤسسات الفنية المهتمة بسلامة وحماية المدنيين .
ثلاثة أعوام من القتل الممنهج ، من تدمير البيوت والمراعي ، واقتلاع الناس من جذورهم ، دون أن يلوح في الأفق أي رادع حقيقي .
إن ما يحدث في دارفور وكردفان والنيل الأزرق ليس مجرد نزاع مسلح او حرب تقليدية ، بل كارثة إنسانية مكتملة الأركان ، تتطلب موقفًا دوليًا عاجلًا يتجاوز بيانات القلق إلى خطوات عملية. حظر الطيران المسيّر الذي أدمن بصورة مقصوده و ممنهجه قتل الابرياء ، ضرورة إنشاء آليات فعالة لحماية للمدنيين ، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم البشعه ، لم تعد تلك مطالب سياسية بل أصبحت ضرورة أخلاقية وإنسانية.
الصمت لم يعد حيادًا… الصمت تواطؤ.
إذا لم يتحرك العالم الآن ، فسيُكتب في سجل التاريخ أنه شاهد المجزرة… واختار الاصطفاف معه.