وزارة الداخلية بحكومة السلام والوحدة.. حراك متصاعد يعيد هندسة الأمن على أسس جديدة ويؤسس لمرحلة ما بعد الاختلالات التاريخية
تشهد وزارة الداخلية بحكومة السلام والوحدة حراكًا متسارعًا وملحوظًا يعكس تحولاً نوعيًا في فلسفة إدارة الملف الأمني، وذلك في ظل تحركات ميدانية ومؤسسية يقودها الفريق د. سليمان صندل حقار، الذي يبدو عازمًا على إعادة بناء الوزارة وفق رؤية تستجيب لتعقيدات الواقع السوداني، وتصحح الاختلالات التاريخية التي صاحبت أداء الأجهزة الشرطية والأمنية لعقود طويلة.
هذا الحراك لا يقتصر على الاجتماعات الرسمية أو الخطابات السياسية، بل يمتد ليشمل انفتاحًا واسعًا على المجتمعات المحلية، وإشراكًا مباشرًا للقيادات الأهلية والمكونات الاجتماعية في صياغة رؤية أمنية جديدة، قوامها المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص، بعيدًا عن النزعات المناطقية والجهوية التي أضعفت بنية الدولة في السابق.

حوار مع المجتمع.. الأمن من القاعدة إلى القمة
في هذا السياق، برزت لقاءات وزير الداخلية في مدينة نيالا مع وفود قبائل العجايرة والمعاليا كنموذج عملي لهذا التوجه الجديد، حيث تحولت هذه اللقاءات إلى منصات حوار مفتوح تناولت قضايا الأمن والتنمية والخدمات، في إطار رؤية شاملة تربط بين الاستقرار الأمني وتحسين الأوضاع المعيشية.
وقد عكست مداخلات الوفود حجم التحديات التي تواجه مناطقهم، بدءًا من غياب البنية التحتية الأمنية، مرورًا بتنامي ظواهر سالبة مثل المخدرات، وصولًا إلى الحاجة الماسة لتفعيل دور الشرطة وتعزيز انتشارها وفق معايير قومية مهنية.
ولعل اللافت في هذه اللقاءات هو الطرح الواضح من قبل ممثلي المجتمعات المحلية بضرورة تجاوز المفاهيم القديمة التي كانت تحكم توزيع الخدمات الأمنية، والدعوة إلى بناء جهاز شرطي يعمل في أي بقعة من السودان بروح قومية، لا تمييز بين منطقة وأخرى، وهو ما وجد استجابة مباشرة من الوزير الذي أكد التزامه بهذا النهج.
تفكيك إرث الاختلالات.. نحو وزارة داخلية حديثة
تشير التحركات الحالية إلى أن وزارة الداخلية تمضي في اتجاه تفكيك إرث طويل من الاختلالات البنيوية، التي تمثلت في ضعف الانتشار الشرطي، وتسييس الأجهزة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، فضلًا عن تراجع دور المؤسسات الحيوية مثل الجمارك والموانئ البرية.
وفي هذا الإطار، برزت مطالب الوفود بضرورة تفعيل قطاع الجمارك وتنشيط الموانئ الجافة وضبط الإيرادات، باعتبارها أدوات مهمة لتعزيز الاقتصاد الوطني ودعم الاستقرار، وهو ما يعكس وعيًا متقدمًا بدور الأمن في دعم التنمية، وليس فقط في فرض النظام.
كما تم التطرق إلى قضايا حساسة مثل مكافحة المخدرات، التي باتت تمثل تهديدًا متزايدًا للنسيج الاجتماعي، الأمر الذي يتطلب – وفق ما طُرح – مقاربة شاملة تشمل التوعية، والردع القانوني، وتعزيز قدرات الأجهزة المختصة.
التخطيط الاستراتيجي.. الأمن بوصفه مشروع دولة
ما يميز الحراك الحالي لوزارة الداخلية هو انتقاله من منطق ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، حيث تتبلور ملامح مشروع متكامل لإعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس حديثة.
هذا المشروع يقوم على عدة مرتكزات، أبرزها إعادة تأهيل مراكز الشرطة، وتزويدها بالآليات، وتفعيل الشرطة المتخصصة مثل شرطة البترول والمنشآت الحيوية، خاصة في المناطق التي تشهد نشاطًا اقتصاديًا مهمًا.
كما يشمل التخطيط تطوير البنية التحتية المرتبطة بالأمن، مثل الطرق البرية التي تربط الأقاليم، والتي تمثل شريانًا حيويًا للحركة الاقتصادية والأمنية على حد سواء، وهو ما أشار إليه وفد المعاليا عند حديثه عن أهمية طرق عديلة وأبوكارنكا.

شراكة مجتمعية.. نحو عقد أمني جديد
أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة هو الاتجاه نحو تأسيس شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع في إدارة الملف الأمني، حيث لم تعد المجتمعات المحلية مجرد متلقٍ للخدمات، بل أصبحت شريكًا فاعلاً في تحديد الأولويات وطرح الحلول.
هذا التحول يعكس إدراكًا عميقًا بأن الأمن لا يمكن أن يتحقق عبر الأجهزة الرسمية وحدها، بل يحتاج إلى حاضنة مجتمعية تدعمه وتتشارك في صيانته، وهو ما يتطلب بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، حملت كلمات وزير الداخلية خلال هذه اللقاءات رسائل واضحة تؤكد التزام الدولة بالوقوف مع المجتمعات المحلية، والتصدي للتحديات التي تواجهها، والعمل على تمكين الشرطة من أداء دورها الدستوري والقانوني بكفاءة وفعالية.
من الميدان إلى الدولة.. ملامح تحول كبير
في المجمل، تكشف التحركات المتعاظمة لوزارة الداخلية بحكومة السلام والوحدة عن ملامح تحول كبير في طريقة إدارة الشأن الأمني في السودان، حيث يجري الانتقال من نموذج تقليدي قائم على المركزية والقرارات الفوقية، إلى نموذج أكثر انفتاحًا وتشاركية، يضع الإنسان في قلب العملية الأمنية.
ويبدو أن الفريق د. سليمان صندل حقار يقود هذا التحول برؤية واضحة تستند إلى قراءة دقيقة للواقع، وإرادة سياسية لإحداث تغيير حقيقي، يضع حدًا لحالة التراكمات السلبية التي ظلت تعيق أداء الوزارة.
وبينما لا تزال التحديات كبيرة، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن وزارة الداخلية تمضي في الاتجاه الصحيح نحو بناء مؤسسة قادرة على الاستجابة لتطلعات السودانيين، وإرساء دعائم الأمن والاستقرار، كمدخل أساسي لبناء السودان الجديد على أسس العدالة والمواطنة المتساوية.
التنوير