حكومة تُضَّمِت جراح الناس

 

حكومة تُضَّمِت جراح الناس

بقلم:فاطمة لقاوة

في زمنٍ تُقاس فيه الحكومات بقدرتها على الصمود وسط العواصف، لا بهُتاف الشعارات البراقه، برزت تجربة حكومة السلام بقيادة محمد حمدان دقلو ونائبه عبد العزيز الحلو كواحدة من أكثر النماذج إثارة للإنتباه في واقعٍ سوداني مأزوم،لم يكن ذلك لأنها تمتلك أدوات القوة التقليدية، بل لأنها—على نحوٍ لافت—إختارت أن تُعيد تعريف السلطة من جذورها: سلطة تنحاز للناس، لا عليهم.

غير أن ما منح هذه الحكومة بُعدها الإنساني العميق، وأكسبها ذلك القبول المتنامي وسط مجتمعات دارفور، هو حضور شخصيات بحجم الأستاذ محمد حسن التعايشي وطاقمه الوزاري، الذين لم يكتفوا بإدارة المشهد من المكاتب، بل نزلوا إلى الميدان حيث تتكثف المعاناة وتُختبر النوايا.

لقد تزيّنت هذه الحكومة—بالمعنى السياسي والإنساني—بهذا الحضور القريب من الناس، فالتعايشي، وهو يتنقل بين المستشفيات والأسواق والمدارس، لم يكن يؤدي واجبًا بروتوكوليًا، بل كان يعيد بناء الثقة المفقودة بين المواطن والدولة، وهي الثقة التي ظلت لسنوات ضحية الإهمال والحروب وسياسات التهميش الممنهج في دارفور، حيث إعتاد الناس أن يروا الدولة في هيئة قوة عسكرية مهاجمة القُرى لتحرقها و تنزح سُكانها أو خطاب سياسي بعيد.

جاء التعايشي و اعضاء حكومته بنموذج مختلفًا:

مسؤولون يسألون عن الدواء قبل الأمن، وعن التعليم قبل السياسة، وعن لقمة العيش قبل توازنات السلطة. هذا التحول ليس تفصيلاً بسيطاً ، بل يمثل جوهر مشروع سياسي جديد، يعيد ترتيب الأولويات وفق ما يحتاجه الإنسان فعلاً، لا ما تفرضه حسابات النفوذ كسابق العهود.

الإهتمام بمعاناة الناس لم يعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة سياسية، لأن التجارب أثبتت أن المجتمعات التي تُترك للجوع والمرض والجهل، لا يمكن أن تكون حاضنة للإستقرار أو شريكًا في بناء الدولة، وهذا ما يبدو أن حكومة السلام قد إستوعبته مبكرًا: أن كسب المعركة يبدأ من كسب الإنسان.

ما يقوم به التعايشي ورفاقه الآن يعكس إدراكًا عميقًا بأن الحرب لا تُهزم فقط في ميادين القتال، بل تُهزم عندما يتخلص الناس من خوفهم، ويستعيدون إحساسهم بالحياة،و حين يذهب الأطفال إلى مدارسهم رغم القصف، و لحظات أن يجد المريض سريرًا في مستشفى، و ساعة تمكن المواطنين  من شراء قوت يومهم بكرامة،عندها فقط تبدأ موازين القوى في التغيّر.

لقد رسمت هذه الحكومة، بكل ما تواجهه من تحديات، ملامح أملٍ حقيقي في نفوس مواطني دارفور،ليس أملًا قائمًا على الوعود، بل على أفعال تُرى وتُلمس،وهذا ما يجعلها، رغم هشاشة الواقع، أقرب إلى الناس من أي سلطة سبقتها.

المفارقة أن قوة هذا النموذج لا تكمن في قدرته على السيطرة، بل في قدرته على الإصغاء و فرض الحلول، بل في ملامسة الجراح التي أوجعت الناس،وهنا تحديدًا تتشكل شرعية حكومة السلام الحقيقية،و إنطلاق تحالف تأسيس العملاق ليؤسس واقع سياسي سوداني مُغاير تماما لحقب الظلام التي مضت.

قد لا يكون الطريق سهلاً، ولا النتائج سريعة، لكن ما يحدث اليوم يشير إلى تحوّل مهم: من دولة تُدار من فوق، إلى دولة تُبنى من الأسفل،من الإنسان و معاناته و حقوقهم  في حياة تليق بهم.

في هذا التحول، لا تبدو حكومة السلام مجرد سلطة موازيه كما يحاول البعض توصيفها، بل  هي محاولة جادة لإعادة كتابة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساسٍ من الإنسانية أولًا، لنقول جميعا:”هيا نحو أفق سياسي تنموي جديد في السودان”.

ولنا عودة بإذن الله

السبت،٤أبريل/٢٠٢٦م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.