سلاح التصنيف.. تفنيد آراء الخبراء الغربيين حول تصنيف إسلاميي السودان كجماعة ارهابية
سلاح التصنيف..
تفنيد آراء الخبراء الغربيين حول تصنيف إسلاميي السودان كجماعة ارهابية.
احمد عثمان محمد المبارك
اطلعت مؤخراَ على موجة من القراءات والآراء المتباينة لبعض المحللين الغربيين حول قرار واشنطن بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان وإحدى أذرعها العسكرية، المعروفة بكتيبة البراء بن مالك، ضمن قوائم الإرهاب.
وبينما انقسم هؤلاء الخبراء بين محذر من تصلب المواقف.الميدانية، ومنتقد لما اعتبروه استخداماً سياسياً يمس بسيادة الدولة السودانية، أو حتى متخوف من أزمة ثقة قد تضرب تماسك الجبهة المساندة للجيش. ويظل السؤال الجوهري غائباً عن جوهر هذه التحليلات الا وهو، هل يمكن لسلاح التصنيف أن يكون الأداة الحاسمة لمنع تحول الصراعات المحلية إلى بؤر راديكالية عابرة للحدود؟
إن استعراض هذه الآراء يكشف عن فجوة في فهم الديناميكيات الأيديولوجية التي تحرك هذه الجماعات، كما تغفل هذه التحليلات دروس التاريخ القريب التي جسدها نجاح المجتمع الدولي في تحجيم (تنظيم داعش في العراق وسوريا) عبر بوابة التصنيف ذاتها. لذا فإننا، نحاول تفنيد تلك القراءات الغربية التي غلب عليها الطابع الواقعي المتشكك، لنثبت أن ممارسة الضغط القانوني والدولي على المكونات العقائدية المسلحة ليس مؤامرة لتفتيت الدولة، بل هو إجراء جراحي ضروري لفك الارتباط بين مؤسسة الجيش الوطنية والأجندات الحزبية الضيقة، ومنع تكرار سيناريوهات الفوضى التي لا تُبقي دولة ولا تحمي سيادة.
- ترى الباحثة هولي دراغيز أن التصنيف يؤدي لتصلب مواقف المقاتلين. إلا أن التجربة مع داعش تثبت أن الهدف ليس إرضاء المنظمة بل عزلها. فعندما صُنفت داعش بإلارهاب، لم يهتم العالم بتصلب مواقف عناصره، بل ركز على منعهم من دخول النظام المصرفي العالمي لذلك. فإن تصنيف “البراء” والحركة الإسلامية سيجعل أي دعم مالي يصل للجيش السوداني تحت مجهر الرقابة الدولية، مما يجبر القيادة العسكرية على التخلص من هذه الأحمال الأيديولوجية لضمان بقاء الدولة اقتصادياً.
- ينتقد لورانس فريمان وفيكتور فاسيليف القرار باعتباره ضرباً لسيادة الدولة.
وبالرجوع لمفهوم السيادة في القانون الدولي الحديث نجد انها ابتداءا ترتبط باحتكار الدولة للسلاح، وتجربة داعش علمتنا أن الجماعات التي تقاتل باسم الدين خارج إطار الضبط العسكري المحترف، مما يجعل منها للاحقا عبء على السيادة نفسها. لذلك فإن التصنيف يهدف لحماية شرعية الجيش عبر تنقيته من العناصر التي قد تحوله إلى مليشيا عقائدية، تماماً كما تم عزل الفصائل الراديكالية في العراق لضمان استقرار الدولة المركزية.
- اعتبرت جين لورينز أن التصنيف سيخلق أزمة ثقة ويضعف الروح القتالية.
تغفل هذه الؤية التحليلية أن داعش كانت القوة الأكثر فاعلية ميدانياً في بداياتها، ومع ذلك كان تصنيفها هو الخطوة الأولى لكسر شرعيتها. وكذلك نزع الشرعية عن كتيبة البراء دولياً يسحب منها البساط الأخلاقي أمام الشعب السوداني، ويحولها من مقاومة شعبية (كما يزعم زانييف) إلى جماعة منبوذة تطاردها العقوبات، مما يسهل على الدولة لاحقاً تفكيكها دون كلفة سياسية عالية.
- حذر غريغوري كوبلي من أن إضعاف المساندين للجيش سيحول السودان لبؤرة إرهاب. والواقع التاريخي يثبت أن وجود جماعات أيديولوجية مسلحة هو بحد ذاته الجاذب للإرهاب العابر للحدود. لذلك فإن تصنيف هذه الجماعات الآن هو إجراء وقائي يمنع تحول السودان إلى مغناطيس للمتطرفين من أنحاء العالم، كما حدث في الرقة والموصل. كما ان التصنيف المبكر يحجم الطموحات الأيديولوجية قبل أن تتحول إلى دولة داخل الدولة.
ونرى ضرورة استخدام التصنيف كسلاح فعال يجفف منابع التمويل بنسبة تتجاوز 90% عبر ملاحقة التحويلات والعملات الرقمية. كما يسمح للدول بالتدخل لدعم القوات النظامية المحترفة فقط. وعندما يدرك المقاتل المتطوع أنه يقاتل تحت راية إرهابية مصنفة عالمياً، تبدأ الانشقاقات والبحث عن بدائل وطنية.
لكل ما ذكرناه فإننا نخلص الى أن الآراء التي قدمها هؤلاء الخبراء تنطلق من منظور أمن اجتماعي قصير المدى، بينما ينطلق قرار التصنيف من منطلق استراتيجي بعيد المدى، تهدف الى قطع الطريق على الأدلجة المسلحة في السودان كسبيل وحيد لضمان بناء جيش وطني مهني، وحرمان القوى الانقلابية (مثل الدعم السريع) من ذريعة محاربة الإرهاب التي تستخدمها لتسويق نفسها دولياً.