قراءة فرنسية في تعقيدات السودان: هل الإخوان هم “العقدة” التي تمنع الجيش من العودة لدوره الوطني؟
قراءة فرنسية في تعقيدات السودان: هل الإخوان هم “العقدة” التي تمنع الجيش من العودة لدوره الوطني؟
📝 أواب عزام البوشي
عندما تصبح الحرب مرآة لبنية الدولة
لا يكاد ملف السودان يغادر عناوين الأخبار الدولية منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، لكن السؤال الذي ظلّ حائرًا بين المراكز البحثية ووسائل الإعلام الكبرى هو: لماذا لا تنتهي هذه الحرب رغم كثرة الوساطات؟ هل هي صراع على السلطة بين جنرالين، أم أنها أزمة أعمق تمتد جذورها إلى عقود مضت؟
في قراءة استثنائية لمجلة لو بوان الفرنسية، خرج التحليل عن السرديات التقليدية ليقدّم تشخيصًا مختلفًا: الحرب في السودان لم تعد صراعًا عسكريًا تقليديًا، بل تحولت إلى أزمة معقدة تغذيها “بنية أيديولوجية هجينة” تمتد داخل المؤسسة العسكرية منذ عهد البشير. هذا التشخيص الفرنسي يفتح الباب أمام سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن للجيش السوداني أن يعود إلى دوره الوطني ما دامت هذه البنية الهجينة قائمة؟ أم أن الإخوان -كما يصفهم التقرير- يمثلون “العقدة” التي تعيد إنتاج الحرب كلما اقترب الحل؟
أولاً: قراءة في تقرير “لو بوان” – ما الذي كشفه؟
نشرت مجلة لو بوان (Le Point) الفرنسية، التي تتمتع بمصداقية في ملفات السياسة الدولية، تقريرًا استند إلى مصادر مطلعة على بنية الجيش السوداني. لم يكتفِ التقرير برصد اشتباكات قوات الدعم السريع والجيش، بل ذهب إلى الطبقات العميقة من التنظيم المؤسسي.
أبرز ما ورد في التحليل الفرنسي:
- وجود “تمدد تنظيمي” لعناصر مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخل مفاصل الجيش السوداني.
· بروز “بنية أمنية هجينة” تمزج بين العسكري والإيديولوجي، وهو ما جعل الجيش السوداني يختلف عن النمط الكلاسيكي للجيوش الوطنية.
· أن استمرار النزاع لا يُفسر فقط بالخلافات الشخصية أو التنافس على الموارد، بل بطبيعة هذه البنية التي تجعل من التسوية السياسية تهديدًا لمصالح كيانات أيديولوجية مترسخة.
هذه القراءة الفرنسية لم تأتِ من فراغ؛ فقد سبق أن أشارت تقارير أممية وأفريقية إلى صعوبة فصل الجيش السوداني عن الإرث السياسي لحكم البشير (1989–2019)، حيث كان الحزب الحاكم آنذاك (المؤتمر الوطني) يعمل على أسلمة المؤسسة العسكرية وتمديد نفوذ الإخوان فيها بوصفها ركيزة أساسية للبقاء في السلطة.
ثانيًا: “البنية الهجينة” – من أيديولوجيا الدولة إلى دولة داخل الجيش
المفهوم الذي استخدمه التقرير الفرنسي –”البنية الهجينة”– ليس مجرد وصف صحفي، بل هو مفهوم تحليلي يعبّر عن تحوّل المؤسسة العسكرية من جهاز فني قائم على الكفاءة والولاء الوطني إلى كيان متشابك مع مشروع سياسي أيديولوجي. في الحالة السودانية، يمكن تتبع هذه الظاهرة عبر مراحل:
- عهد الإنقاذ (1989–2019): قام نظام البشير بسياسة منهجية لـ”إخواننة” الجيش، عبر تعيين ضباط موالين للجماعة في المناطق الحساسة، وإنشاء أجهزة أمنية موازية (كجهاز الأمن والمخابرات الوطني) التي أصبحت أشبه بـ”دولة داخل الدولة”.
- فترة الانتقال (2019–2021): بعد سقوط البشير، جرت محاولات لتفكيك النفوذ الإخواني عبر قانون إزالة التمكين، لكن هذه المحاولات اصطدمت بصلابة البنية الهجينة التي أثبتت قدرتها على الصمود والتحايل.
- ما بعد انقلاب 2021: مع عودة الجيش بقيادة البرهان إلى الواجهة السياسية، عاد الجدل حول دور الإخوان داخل المؤسسة؛ فبينما يرى فريق أنهم فقدوا نفوذهم، تشير تقارير لو بوان وغيرها إلى أنهم أعادوا تنظيم أنفسهم مستغلين حالة الحرب.
اللافت أن هذه البنية الهجينة لا تظهر فقط في التكوين القيادي، بل في طريقة إدارة الحرب ذاتها: فالحرب تدار أحيانًا وفق اعتبارات أيديولوجية لا عسكرية، ويتم توظيف الخطاب الديني لتعبئة بعض الفصائل المسلحة، مما يجعل أي تسوية سياسية وكأنها تهديد لـ”الهوية” بقدر ما هي تهديد للمصالح.
ثالثًا: لماذا تُعقّد “عقدة الإخوان” عودة الجيش لدوره الوطني؟
الفرضية التي يطرحها التقرير الفرنسي والتي تتوافق مع ما يراه مراقبون ميدانيون هي أن استمرار وجود هذه البنية الهجينة يجعل الجيش غير قادر على الانسحاب من السياسة أو العودة إلى دور المهنية الوطنية الخالصة. وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:
- تداخل الولاءات: الولاء للجماعة أم للوطن؟
عندما يكون جزء من الضباط مرتبطًا تنظيميًا بجماعة ذات مشروع سياسي (الإخوان)، يصبح الولاء للجماعة أحيانًا مقدّمًا على الولاء للمؤسسة. في هذه الحالة، فإن أي قرار بإعادة هيكلة الجيش أو تطبيق معايير الكفاءة المهنية يصطدم بجدران الحماية التي أقامتها هذه الشبكات لعقود.
- الخوف من المحاسبة
البنية الهجينة ليست مجرد تقاسم نفوذ، بل هي أيضًا حماية متبادلة. كثير من الضباط المرتبطين بالنفوذ الإخواني متورطون في ملفات فساد أو انتهاكات لحقوق الإنسان تمتد لعهود سابقة. وبالتالي، فإن العودة إلى الجيش المهني تعني الخضوع لمراجعات ومحاسبات قد تطالهم شخصيًا. هذا الدافع الشخصي يجعلهم أكثر تشبثًا بالحرب كوسيلة لتأجيل أي تسوية سياسية قد تؤدي إلى كشف الحسابات.
- الرؤية الأيديولوجية للدولة
بالنسبة للتيار الإخواني داخل الجيش، الدولة ليست مجرد مؤسسات محايدة، بل مشروع حكم له أيديولوجيته الخاصة. لذلك فإن أي انتقال نحو مدنية الدولة أو إخضاع الجيش للسلطة المدنية يُقرأ باعتباره “تراجعًا عن مشروع” وليس مجرد إصلاح مؤسسي. هذه النظرة تجعلهم طرفًا مستعصيًا في أي مفاوضات سلام حقيقية.
رابعًا: من قراءة فرنسية إلى قراءة ميدانية – ما الذي يعنيه ذلك للسلام؟
ما ذكره تحليل لو بوان ليس مجرد تنظير خارجي؛ بل يتوافق مع ما يراه السودانيون على الأرض: تعقيد المشهد لم يعد يحتمل القراءة كصراع تقليدي بين جيش ومليشيا، بل بات صراعًا طويل الأمد تستغله أيادي إيديولوجية لإعادة إنتاج نفسها.
إذا كان هذا التشخيص دقيقًا، فإن الآثار المترتبة عليه عميقة:
- الوساطات التقليدية (جدة، المنبر الإفريقي، وغيرها) لن تنجح في إنهاء الحرب إذا اقتصرت على محاولة ترتيب وقف إطلاق نار دون معالجة البنية الهجينة داخل المؤسسة العسكرية.
· أي حل سياسي لا يشمل تفكيك نفوذ الإخوان من الجيش والأجهزة الأمنية سيظل هشًا، وسرعان ما يعيد إنتاج النزاع بصيغة جديدة.
· إعادة بناء الجيش كجيش وطني مهني تحت قيادة مدنية هي شرط ضروري وإن لم يكن كافيًا لاستقرار السودان. وهذا يتطلب إرادة سياسية داخلية غير متوفرة حاليًا، ودعمًا إقليميًا ودوليًا يراعي تعقيدات البنية الداخلية، لا أن يتعامل مع الجيش ككتلة متجانسة.
خامسًا: هل من سبيل إلى تفكيك العقدة؟
السؤال الذي يفرض نفسه: إن كانت “عقدة الإخوان” داخل الجيش هي العائق الأكبر أمام السلام، فكيف يمكن تفكيكها؟
أولاً، لا بد من الإقرار بأن تفكيك البنى الهجينة ليس عملية إدارية بحتة، بل هي عملية سياسية تتعارض مع مصالح قوى نافذة. لذلك، فهي تحتاج إلى:
- إجماع وطني حول مشروع إصلاح المؤسسة العسكرية، يتجاوز التحالفات المؤقتة بين الأطراف المتصارعة اليوم.
· آليات انتقالية تضمن محاسبة المتورطين في الانتهاكات وفق معايير عادلة، مع تمييزهم عن الضباط المهنيين الذين ظلوا ملتزمين بواجبهم.
· دعم دولي لا يقتصر على الضغط من أجل وقف القتال، بل يمتد إلى دعم عملية إصلاح هيكلي طويلة الأمد، تتضمن مراجعة عقيدة الجيش، وعلاقته بالسلطة المدنية، وإنهاء أي تداخل بين العمل العسكري والعمل الحزبي.
الثمن يدفعه الشعب السوداني وحده
منذ اندلاع الحرب، دفع السودانيون أثمانًا باهظة: عشرات الآلاف من القتلى، ونزوح أكثر من عشرة ملايين، وانقسام اجتماعي غير مسبوق، وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية. وفي خضم هذه المأساة، يظل السؤال حول “من يمنع السلام” مطروحًا باستمرار.
القراءة الفرنسية التي قدمتها لو بوان تضع الإصبع على جرح عميق: طالما بقيت البنى الهجينة التي تمزج بين العسكري والإيديولوجي قائمة، فإن أي سلام سيكون مؤقتًا، وأي جيش سيبقى أسير ولاءات متعددة لا تتوافق مع دوره الوطني. تفكيك نفوذ الإخوان من مؤسسات الدولة ليس انتقامًا سياسيًا، بل هو شرط ضروري لإنقاذ السودان من مصير حروب لا تنتهي.
ربما تكمن المفارقة في أن المجلة الفرنسية القادمة من خارج المنطقة استطاعت أن تقدم تشخيصًا أكثر جرأة مما تسمح به التحليلات الرسمية العربية أو الأفريقية. لكن السؤال الأصعب يبقى في يد السودانيين أنفسهم: هل لديهم القدرة على تفكيك هذه العقدة قبل أن تستمر الحرب في التهام كل شيء؟