داخل الغرف السرية للإسلاميين: صراع يهدد سلطة البرهان

داخل الغرف السرية للإسلاميين: صراع يهدد سلطة البرهان

د. عبد المنعم همت

الانقسامات داخل الحركة الإسلامية السودانية تكشف تآكلا تنظيميا عميقا بينما يسعى البرهان لتثبيت سلطته عبر تحالفات جديدة قد تغيّر موازين الحكم في البلاد.

 

تعيش الحركة الإسلامية في السودان مرحلة من الارتباك العميق، مرحلة تتقاطع فيها الصراعات التنظيمية مع طموحات القيادات العسكرية التي صعدت إلى السلطة في ظروف الحرب. هذا المشهد يكشف عن تآكل تدريجي داخل بنية التنظيم الذي حكم السودان أكثر من ثلاثة عقود، ويكشف أيضا عن صراع خفي داخل المؤسسة العسكرية نفسها حول مستقبل الحكم بعد انتهاء الحرب.

في هذا الإطار برزت معلومات عن اجتماع سري عقده ضباط إسلاميون داخل الجيش يوم الجمعة الثاني من يناير عام 2026 في مدينة أم درمان، الحارة 12. الاجتماع لم يكن لقاءً اجتماعياً أو نقاشاً عسكرياً عادياً حول سير العمليات القتالية، فقد كان اجتماعاً سياسياً يحمل طابعاً تنظيمياً واضحاً وناقش مستقبل السلطة داخل الدولة وموقع الحركة الإسلامية في المعادلة القادمة.

المعلومات التي تسربت من ذلك الاجتماع تشير إلى أن النقاش اتسم بدرجة عالية من القلق وعدم اليقين. أحد أبرز ما طُرح في النقاش كان مسألة الثقة في الفريق عبدالفتاح البرهان. كثير من الضباط المشاركين أبدوا شكوكاً متزايدة تجاه نوايا الرجل، وظهرت بينهم قناعة بأن البرهان يسعى إلى تثبيت موقعه في الحكم بطريقة تجعله أقل ارتباطاً بالحركة الإسلامية.

هذا الشعور لم يظهر فجأة، فقد تراكم خلال السنوات الماضية نتيجة تحولات عديدة داخل السلطة. البرهان وصل إلى موقع القيادة في مرحلة انتقالية معقدة بعد سقوط نظام عمر البشير. في تلك اللحظة كانت الحركة الإسلامية تحاول الحفاظ على نفوذها داخل الدولة عبر شبكة واسعة من الضباط والموظفين الذين تشكلوا خلال سنوات حكمها الطويلة. ومع مرور الوقت بدأ التباعد يظهر بين القيادة العسكرية وبعض دوائر التنظيم الإسلامي.

في خضم هذا المناخ ظهر تسريب جديد لحديث منسوب إلى القيادي الإسلامي عثمان محمد يوسف كبر. في ذلك الحديث وصف البرهان بطريقة قاسية تقلل من قيمته السياسية قائلاً إن البرهان بلا قيمة، مع تأكيده في الوقت نفسه أن الحركة الإسلامية هي التي جاءت به إلى السلطة وأنها حريصة على استمراره في الحكم لخمس سنوات. هذه المفارقة تكشف جانباً من التفكير داخل بعض دوائر الحركة الإسلامية التي تنظر إلى القيادة العسكرية بوصفها أداة لخدمة مشروعها السياسي.

الفيديو الذي ظهر فيه يوسف كبر أعاد إلى الذاكرة تصريحات سابقة صدرت عن القيادي الإسلامي عبد الحي يوسف، حيث وصف البرهان بأنه شخصية بلا دين. هذه اللغة تعكس طبيعة العلاقة المتوترة التي كثيراً ما ظهرت بين القيادات العسكرية والتنظيمات الأيديولوجية في السودان.

التسريب نفسه يثير أسئلة كثيرة حول مصدره. مثل هذه التسجيلات لا تخرج عادة إلى العلن إلا في ظروف صراع داخلي أو نتيجة اختراقات أمنية. الاحتمال الأول يشير إلى وجود انقسام داخل الحركة الإسلامية نفسها، حيث قد يسعى جناح إلى إضعاف جناح آخر عبر تسريب معلومات محرجة. الاحتمال الثاني يرتبط بضعف البنية التنظيمية بعد سقوط نظام البشير، الأمر الذي جعل التنظيم أكثر عرضة للاختراق.

في الجانب الآخر يبدو أن البرهان يدرك تعقيدات هذه المعادلة. الرجل يعلم أن التنظيمات الأيديولوجية تمتلك خبرة طويلة في استخدام القيادات العسكرية لتحقيق أهدافها السياسية. لهذا السبب بدأ في البحث عن مراكز قوة بديلة يمكن أن تساعده في تثبيت موقعه داخل السلطة.

ضمن هذه الحسابات يبرز اسم صلاح قوش، المدير الأسبق لجهاز الأمن والمخابرات. قوش يعد من أكثر الشخصيات معرفة ببنية الدولة العميقة في السودان. سنوات عمله الطويلة في المجال الأمني منحته شبكة علاقات واسعة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، إضافة إلى علاقات إقليمية مع عدد من أجهزة الاستخبارات في المنطقة.

الحديث عن استعانة البرهان بقوش يعكس محاولة لإعادة ترتيب التوازنات داخل السلطة. قوش يمتلك خبرة كبيرة في إدارة الصراعات الداخلية وفي بناء التحالفات السياسية. هذه الخبرة قد تمنح البرهان أدوات إضافية لمواجهة الضغوط التي يمكن أن تأتي من داخل الحركة الإسلامية.

هناك أيضا مؤشرات على أن قوش يسعى إلى إعادة بناء نفوذه السياسي عبر مسارات متعددة. من بين هذه المسارات محاولة تشكيل شبكة تحالفات داخل المؤسسة العسكرية، مع تركيز خاص على بعض المجموعات المرتبطة بالمناطق الشمالية في السودان. مثل هذه التحركات قد تشكل نواة لجناح عسكري جديد يمكن أن يلعب دوراً في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة.

الصراع الدائر اليوم يعكس أزمة أعمق داخل الحركة الإسلامية نفسها. التنظيم الذي كان يتمتع بدرجة عالية من الانضباط التنظيمي خلال معظم سنوات حكم البشير أصبح يعاني من انقسامات حادة بين قياداته. كثير من القيادات التاريخية خرجت من المشهد السياسي أو تعيش في المنفى. القيادات الجديدة لم تتمكن حتى الآن من بناء مركز قيادة موحد قادر على إدارة التنظيم.

هذا الوضع أدى إلى تراجع قدرة الحركة الإسلامية على ضبط شبكاتها داخل الدولة. كثير من الأفراد الذين كانوا يعملون تحت مظلتها أصبحوا يتحركون وفق حساباتهم الخاصة. بعضهم يحاول بناء علاقات مع مراكز القوة الجديدة داخل السلطة، وبعضهم يسعى إلى الحفاظ على موقعه عبر التكيف مع التحولات السياسية.

في مثل هذه الظروف تتحول الصراعات الداخلية إلى عامل يسرّع عملية التآكل التنظيمي. عندما يبدأ الشك في القيادة وعندما تظهر التسريبات والاتهامات المتبادلة، يفقد التنظيم جزءا كبيرا من قدرته على العمل ككتلة متماسكة. هذه الظاهرة ظهرت في تجارب عديدة لتنظيمات سياسية في المنطقة.

المشهد السوداني اليوم يعكس لحظة تاريخية من التحول. الحرب التي اندلعت في البلاد لم تؤد فقط إلى تفكك الدولة، فقد كشفت أيضاً عن هشاشة البنية السياسية التي تشكلت خلال العقود الماضية. القوى التي سيطرت على الحكم طويلاً تواجه الآن اختبار البقاء في بيئة سياسية مختلفة تماماً.

الحركة الإسلامية التي كانت تمتلك نفوذاً واسعاً داخل الجيش والأجهزة الأمنية تبدو اليوم أقل قدرة على فرض إرادتها. الانقسامات الداخلية والتنافس بين القيادات أضعفا قدرتها على العمل كتنظيم موحد. في المقابل تحاول القيادات العسكرية إعادة تعريف موقعها داخل السلطة بعيداً عن الهيمنة التنظيمية القديمة.

هذه التطورات تشير إلى أن السودان يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى. الصراع داخل الحركة الإسلامية، مع طموحات القيادات العسكرية، يفتح الباب أمام تحولات قد تغير شكل السلطة في البلاد خلال السنوات القادمة. التاريخ السياسي السوداني يظهر أن لحظات التفكك داخل التنظيمات الكبرى غالباً ما تمهد لظهور ترتيبات سياسية جديدة لم تكن متوقعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.