السيكوباتية السياسية لتنظيم جماعة الإخوان: من علل النفس إلى هندسة الخراب

السيكوباتية السياسية لتنظيم جماعة الإخوان: من علل النفس إلى هندسة الخراب

الصادق حمدين

في علم النفس الجنائي، تُوصَف الشخصية المعادية للمجتمع بأنها تلك التي لا ترى في البشر سوى أدوات احتياط، تُستعمل ثم تُكسَر ثم يُلقى بها في سلة “الضرورة”. لا تعرف التعاطف إلا كقناع، ولا ترى في القانون إلا عقبة تحتاج إلى التفاف أو فتوى جاهزة. الجريمة عندها لا تبدأ بالسكين، بل بالفكرة التي تبرر الطعن، وبالمنطق الذي يزيّن القسوة، وبالابتسامة الخبيثة التي تلي الألم. ازدواجية مذهلة، نهار من تسابيح وليل من تساليخ. أو كما يقول المثل السوداني الدارج، شخصية تلبس النفاق “جبة”: “بالليل تضبّح وبالنهار تسبّح”.
يُستعار هنا مصطلح “السيكوباتية” بوصفه مجازاً تحليلياً لا توصيفاً طبياً حرفياً، بل أداة تقريب لفهم نمط من السلوك السياسي، مع التسليم بالفارق بين المفهوم النفسي الفردي والواقع السياسي الجمعي. وعندما نُسقط هذا المفهوم على التجربة السياسية الكيزانية منذ عام 1989 في الدولة السودانية المثقلة برزاياهم، يبدو المشهد وكأنه تطبيق عملي لكتاب في السيكوباتية السياسية.
تنظيم ماسوني استولى على الدولة كما تُستولى شركة مفلسة في مزاد سري، وتعامل مع الوطن كغنيمة حرب، ومع الشعب كملحق إداري يمكن استبداله. الفضيلة صارت لافتة إعلانية، والقهر صار سياسة عامة، والحزن تحوّل إلى نشيد يومي يتردد في السجون وبيوت الأشباح ومطارات الهجرة والمنافي القصية.
السايكوباتي “الأخونجي” لا يمشي بلا أقنعة. لديه خزانة خداع كاملة: قناع الواعظ، قناع المصلح، قناع رجل الدولة التي لا يؤمن بحدودها، قناع رجل الدين القانت القانع، قناع “التزلج” الذي يخفي به وجهه عند ممارسة هوايته المتجذرة في نفسه، وهي سرقة المال العام، وقناع الضحية الدائمة لاستدعاء المظلومية اتقاء المساءلة والمحاسبة.
يتحدث عن النظام وهو مهندس الفوضى، عن الأخلاق وهو أول من يفرغها من معناها، عن القيم وهو يتعامل معها كديكور خطابي. لا يتعلم من الألم الذي يسببه للآخرين، لأنه ببساطة لا يعترف به، بل ينكره ويحمل نتائجه لغيره. الخراب عنده مؤامرة من الدول الأجنبية، والفشل حصار اقتصادي بسبب تمسكه بدينه، والانهيار الشامل شماعة جاهزة تُعلّق عليها كل خطيئة. الشذوذ عنده “روح طاهرة في جسد فاسد”. الزنا عنده جهاد نكاح. السرقة والاختلاس والاحتيال المالي، عنده فقه التحلل وليس تطبيق القانون.
أما الحقيقة، فتتسلل بصمت كشقّ في جدار الوطن، يكبر كل يوم حتى يصبح صدعاً لا يخفيه طلاء الشعارات الفارغة. “هي لله لا للسلطة ولا للجاه”. ونأكل مما نزرع. أمريكا روسيا قد دنا عذابهما. وغيرها من الشعارات التي لا تساوي ثمن حبر أحرف كتابتها، ولكنها كلفت الوطن الكثير.
الفارق الجوهري بين هذا التنظيم السيكوباتي وبين المجتمع السوداني الحيّ أن الأخير لم يفقد إنسانيته. المجتمع يتألم، نعم، لكنه لا يتلذذ بالألم. يخطئ، لكنه لا يحوّل الخطأ إلى عقيدة. في المقابل، أخطر ما فعلته العقلية الكيزانية السيكوباتية أنها حاولت تحويل القسوة إلى مؤسسة، والفساد إلى روتين إداري، والانقسام والتقسيم إلى قدر إلهي لا يجوز الاعتراض عليه. المحسوبية صارت “ثقة”، والسرقة “تمكيناً”، واحتكار الدولة “حماية للمشروع الحضاري”.
هذه المقارنة ليست تشخيصاً طبياً بقدر ما هي استعارة فاضحة. كيف يمكن لحزب أن ينفصل عن برامجه السماوية إلى هذا الحد؟ كيف تتحول السلطة الدينية إلى كائن زنديق منافق، منزوع الضمير، يبتسم بمكر وهو يوقع على قرارات تُفقر الملايين وتتركهم في عوز ومصغبة؟ السيكوباتية الفردية تُدمّر عائلة. أما السيكوباتية حين تلبس بدلة رسمية وتمسك بختم الدولة، فهي مشروع خراب شامل.
ومع ذلك، لم يتحول السودان إلى مزرعة دائمة لأحد. الشعوب لا تُختزل في تنظيم سادي، ولا تُختطف إلى الأبد. الوعي يتراكم بصمت، والغضب يتحول إلى موقف، والموقف إلى فعل. المجتمع الذي صمد أمام القمع والتجويع والتضليل، أقدر من أي تنظيم عابر على إعادة تعريف السياسة فهي خدمة لا سيطرة، عدالة لا انتقام، شراكة لا احتكار. ولكن متى يفهم القطيع الملتحي ذلك؟
قد يُحسن السيكوباتي الخفي ارتداء الأقنعة وتبديلها، لكنه يغفل حقيقة واحدة: أن الشعوب لا تُميتها جرعات التخدير مهما طال الزمن. فالثورة ليست واقعة عابرة في دفاتر الدولة، بل مسار وعي يتراكم ويمتد. وعندما تتهاوى الأقنعة الأخيرة، سيدرك تجّار الدين وسماسرة الفضيلة أن الوطن أوسع من مشاريعهم الضالة وأحلامهم الصغيرة، وأن الشمس قادرة على اختراق أثقل الغيوم. وغداً ستشرق شمسك يا سودان، لا بإذنهم، بل لأنك اخترت أن تحيا على عهد الحرية والسلام والعدالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.