انحياز خارج الحدود: لماذا يراهن “الناجيان” على حصان إيران الخاسر؟
انحياز خارج الحدود: لماذا يراهن “الناجيان” على حصان إيران الخاسر؟
الصادق حمدين
لم يعد في هذا المشهد السياسي المربك ما يمكن اخفاؤه أو أن يُوارى خلف عبارات دبلوماسية الابتسامات الباردة.
إن تنظيم”العسكركيزاني”، الإرهابي قد حسم خياره على لسان أميريّ الدبابين الناجي عبد الله، والناجي مصطفى بلا مواربة، حين تكلما بصيغة الجمع: “نحنا بنأييد إيران…..”، وقرّرا باسم تنظيمهم الدموي أن يضعا السودان في خندق واحد مع نظام الملالي الخارج عن الاجماع الدولي وعلى رأسه أمريكا، ولو كان الثمن تمزيق ما تبقى من أشلاء سيادة الدولة السودانية، وتعريض أمن شعبها المفقود أصلاً ومستقبل أجيالها المجهول لرياح صراعات قاسية لا ترحم.
إنه انحياز فاضح ومتعمد، لا يمكن تفسيره بسوء تقدير سياسي، بل بإصرار واع على تقديم الأيديولوجيا العابرة للحدود على حساب الوطن الجريح نفسه.
هذه الخطوة المتهورة ليست خطأً تكتيكياً عابراً، بل مقامرة صبيانية كبرى للتلاعب بمصير أمة كاملة.
الكيزان لا يكتفون بتجاهل المصلحة الوطنية، بل يدفعون بها عمداً إلى حافة الهاوية التي ليست لها قرار.
زجّاً بالسودان في لعبة محاور إقليمية ملتهبة، حيث تتحول الدول الضعيفة إلى ساحات تصفية حسابات ليست أرقاماً فيها، وتُختزل الشعوب فيها كخسائر جانبية لا أهمية لها.
في لحظة تاريخية تتطلب اصطفافاً واضحاً خلف السودان، يصرّ هذا التنظيم الدموي الانتهازي على الارتهان للخارج، وكأن الوطن مجرد ورقة ضغط تُساوَم أو تُحرق وفق مقتضيات العقيدة التنظيمية.
إننا أمام تنظيم متطرف لا يرى في الدولة سوى أداة ورافعة لمصلحة حزبهم الهالك، ولا يعترف بسيادة إن تعارضت مع مشروعه الظلامي، ولا يتورع عن التضحية بالاستقرار إن خدم ذلك بقاءه الذي تعتمد فلسفته على فناء الآخرين.
الكيزان لا يعيشون إلا في مناخ التوتر والبغضاء والحقد، ولا يثبتون حضورهم إلا عبر صناعة الأزمات والفتن.
هم كيان يتغذى على الاستقطاب وسياسة فرق تسد، ويعيد إنتاج نفسه في ظلال الفوضى، وكأن السلم خطر عليهم، والاستقرار تهديد لوجودهم.
ونشاطهم السياسي مرهون بإدامة الصراع، وإبقاء البلاد في حالة اشتعال دائم.
واصطفافهم في خنادق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، مهما كانت الكلفة على الداخل في الخليج العربي، يكشف ذهنية لا ترى في السياسة إلا ميداناً للمعارك العقائدية.
لا يعنيهم إن ترتب على ذلك استهداف دول عربية يصفونها بالشقيقة علنا ويتآمرون عليها سراً، أو تعميق عزلة السودان، أو إدخاله في دوائر عقوبات جديدة.
المهم أن يبقى التنظيم وفياً لمحوره، حتى لو احترق الوطن بأكمله في سبيل ذلك الولاء الأعمى.
وهذا الانحياز ليس وليد اللحظة، بل امتدادٌ متجذر لنهج قديم يقدّم العقيدة التنظيمية على الدولة وشعبها، والولاء الأيديولوجي على الانتماء الوطني.
الذاكرة لا تنسى حين اصطف ذات التيار مع نظام العراق أثناء غزوه للكويت عام 1990، ضارباً عرض الحائط بالإجماع العربي ووضوح الموقف القانوني والأخلاقي.
يومها، كما اليوم، لم يكن السودان هو البوصلة، بل الاصطفاف الأعمى ولو أدى إلى تعميق الشرخ العربي وإضعاف المنظومة الإقليمية بأكملها.
اليوم يتكرر ذات المشهد بصورة أكثر خطورة.
السودان الذي يئن تحت وطأة الحرب والانهيار الاقتصادي والانقسام الداخلي، وفقدان الأمن والأمان يُدفع مجدداً إلى محور إقليمي مثقل بالعقوبات والصراعات.
بدل أن يعمل الكيزان على فك عزلة البلاد، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وفتح نوافذ إنعاش اقتصادي حقيقي، يعيدون إنتاج سياسات المحاور التي جرّت على السودان سنوات من الحصار والعقوبات والتضييق.
الأخطر أن هذا السلوك يكشف تصوراً مشوهاً للدولة نفسها.
فالدولة في قاموس الكيزان ليست كياناً وطنياً مستقلاً له مصالحه العليا، بل منصة تُستخدم لخدمة مشروع عابر للحدود.
وعندما يصبح الولاء للتنظيم أو للمحور الإقليمي مقدماً على الولاء للسودان، تتحول السياسة إلى مقامرة بمصير شعب بأكمله، ويغدو الاصطفاف مع أي طرف يشاركهم الخندق الأيديولوجي أمراً مبرراً، مهما كانت تبعاته الكارثية على الداخل.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مغامرين جدد، ولا إلى تجار أزمات، ولا إلى شعارات تُشعل الحماس وتُطفئ الدولة.
يحتاج إلى عقل وطني بارد، يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار، ويعيد تعريف السياسة باعتبارها مسؤولية لا استعراضاً عقائدياً وهتافاً فارغاً أجوفاً لا يقتل ذبابة.
فالأوطان لا تُدار بروح الجماعات والتهليل والتكبير الذي لا يتخطى الحناجر، ولا تُحمى بالارتهان للخارج، ولا تُبنى فوق حسابات ضيقة ترى في الخراب وسيلةً للبقاء وفي الموت حياة وفي الدمار عمار.
إن أخطر ما في انحياز الكيزان لنظام الملالي الإيراني لا يكمن فقط في تداعياته الخارجية، بل في دلالته الداخلية العميقة والخطيرة؛ فهو يبعث برسالة صريحة مفادها أن التنظيم فوق الوطن، وأن المحور الإقليمي يعلو على المصلحة السودانية، وأن السودان ليس سوى كبش فداء يمكن التضحية به متى تعارض مع حساباتهم العقائدية.
في سلوكهم ما يوحي بأن الارتهان صار عقيدة، وأن الارتباط بالخارج أقوى من أي جذور وطنية.
يتعاملون مع البلاد كأنها محطة عابرة في مسار مشروعهم، لا وطناً يُصان، وكأن علاقتهم به مؤقتة، تنتهي بانتهاء الحاجة إليه، لا رابطة انتماء راسخة تُلزمهم وكأنهم قد رضعوا من ثدي العقوق ارتزاقاً وعمالة تدثرت بثياب الخسة والدناءة.
تباً ثم تباً لكل جرذ ملتحي رفع السبابة مهللاً مكبراً فوق جسد الوطن.