كمبالا!بداية معركة الشرعية

كمبالا!بداية معركة الشرعية

بقلم:فاطمة لقاوة

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاءت زيارة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى أوغندا، تلبيةً لدعوة رسمية من الرئيس يوري موسفيني،لتتجاوز حدود البروتوكول إلى ما هو أبعد: إختبار علني لمعادلة الإعتراف الإقليمي في الأزمة السودانية.

لم تكن الزيارة حدثاً لحظياً في جدول العلاقات الثنائية، بل بدت كتحرك محسوب بعناية في توقيت بالغ التعقيد، حيث تتداخل معركة السلاح في الداخل مع معركة الشرعية في الخارج.

المعروف في النزاعات الداخلية، لا يُحسم الصراع فقط على خطوط النار، بل كذلك على موائد الدبلوماسية، حيث يُعاد تعريف السؤال الأخطر: من يمثل الدولة؟

الدعوة الرسمية والإستقبال الرئاسي المباشر يحملان دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها.

في العرف الدبلوماسي، إستقبال قائد كطرف سياسي على هذا المستوى لا يُقرأ بوصفه لقاءً عابراً، بل باعتباره إشارة إلى إستعداد للتعامل معه ككيان ذي صفة تمثيلية.

من خلال  سياق الحرب السودانية، يشكل ذلك إختراقاً لجدار العزلة، ويضرب في صميم معركة السرديات: هل تمثيل الدولة حكر على السلطة القائمة في بورتسودان، أم أن هناك واقعاً سياسياً جديداً يفرض نفسه إقليمياً؟

الإعتراف لا يأتي دفعة واحدة، بل يبدأ بإشارات مدروسة،أوغندا بدت هنا وكأنها ترسل أول إشارة علنية في مسار قد يتسع أو يتوقف بحسب مآلات الصراع.

لم يكن تكوين الوفد تفصيلاً عاديا كما يعتقد البعض ،وجود شخصيات مدنية وسياسية إلى جانب قيادات إقليمية حمل رسالة واضحة: المشروع المطروح ليس قيادة عسكرية تبحث عن شرعية مؤقتة، بل محاولة لتقديم هيكل حكم متعدد المكونات.

في علم السياسة، الشرعية لا تُبنى فقط عبر السيطرة الميدانية، بل عبر إظهار بديل مؤسسي قابل للحياة ،وهذا ما سعت الزيارة إلى تسويقه: كيان سياسي بملامح مدنية، وتمثيل إقليمي، وخطاب يتحدث عن إدارة دولة لا عن إدارة معركة فقط.

التحرك نحو كمبالا ليس إختياراً جغرافياً محايداً،

فأوغندا لاعب فاعل في معادلات الأمن الإقليمي،

خصوصاً في أزمات جنوب السودان والقرن الإفريقي. الإنفتاح من هذه البوابة يعني السعي لتثبيت صورة 《حميدتي》 كفاعل إقليمي يتعامل بندّية مع رؤساء دول.

الرمزية هنا مهمة: تهنئة موسفيني بفوزه الإنتخابي، وتبادل عبارات الشراكة والتعاون، يعكسان نمط تعامل أقرب إلى “رئيس مع رئيس”، وهو ما يعزز سردية الكيان الجديد-“حكومة السلام”- كسلطة سياسية قائمة، لا مجرد طرف عسكري في نزاع داخلي.

الحديث عن التعاون السياسي والأمني يتجاوز فكرة الوساطة أو الإستضافة،إذا تطورت العلاقة إلى تنسيق عملي، فقد نشهد تشكل محور سياسي في شرق أفريقيا يعيد إدراج السودان ضمن توازنات القرن الإفريقي والبحر الأحمر،في ظل التنافس الإقليمي والدولي على الممرات البحرية والأمن العابر للحدود، يصبح أي اصطفاف جديد عاملاً مؤثراً في إعادة رسم موقع السودان داخل المعادلة الإقليمية.

لم تعد المعركة سودانية خالصة،من ينجح في إقناع العواصم الإقليمية بروايته، يقترب خطوة من الشرعية الدولية.

إستثمار المنصة الأوغندية لعرض “جذور الأزمة” ورؤية وقف الحرب يكشف إدراكاً بأن الصراع أصبح سردياً بقدر ما هو عسكري،فالمعادلة واضحة: السيطرة على الأرض تمنحك نفوذاً، لكن السيطرة على الرواية تمنحك إعترافاً.

من خلال تجارب النزاعات المقارنة، يبدأ الإعتراف غالباً إقليمياً قبل أن يتوسع دولياً،و إذا تكررت الدعوات من عواصم أخرى، وتحولت اللقاءات إلى تفاهمات مكتوبة أو تعاون رسمي، فإننا قد نكون أمام إنتقال تدريجي من “تعامل واقعي” إلى “إعتراف سياسي فعلي”.

يبقى السؤال العالق :هل ستظل الزيارة  في إطار الرسائل الرمزية،أم قد  تتحول إلى مسار دبلوماسي متكامل؟.

يمكن قراءة زيارة كمبالا في ثلاثة أبعاد متداخلة:

بعد الشرعية: كسر إحتكار التمثيل الخارجي.

بعد الصورة الذهنية: تقديم كيان سياسي منظم لا مجرد قوة ميدانية.

بعد التوازن الإقليمي: إدخال السودان في حسابات شرق أفريقيا كفاعل جديد.

غير أن هذا التحول لا يحدث في فراغ،وهنا تبرز زاوية لا تقل أهمية عن كل ما سبق: موقع السودان في حسابات المحيط العربي، وعلى رأسه مصر والسعودية. السودان ليس مجرد ساحة صراع داخلي، بل عمق إستراتيجي للأمن القومي العربي، وبوابة البحر الأحمر، ونقطة إرتكاز بين إفريقيا والعالم العربي.

الانحياز الحصري لجماعة الأمر الواقع في بورتسودان، دون قراءة دقيقة للتحولات الجارية في الداخل السوداني، ودون إنصات حقيقي لمعاناة ملايين المدنيين الذين يدفعون ثمن الحرب، قد يؤدي إلى خسارة السودان كشريك طبيعي ومستقر في المستقبل. الدولة لا تُختزل في سلطة تمسك بالأرض، ولا في قيادة عسكرية تمتلك السلاح، بل في عقد إجتماعي يحفظ كرامة شعبها ويمنحه الأمل في الإستقرار.

إذا كانت معركة الشرعية قد بدأت تأخذ طابعاً إقليمياً واضحاً، فإن تجاهل هذا المسار أو التقليل من دلالاته قد يفتح الباب أمام إعادة تموضع السودان بعيداً عن محيطه العربي التقليدي.

السياسة التي تُبنى على موازين القوة اللحظية قد تربح جولة، لكنها قد تخسر شعباً بأكمله.

ما جرى في كمبالا ليس مجرد زيارة، بل إختبار مبكر لإعادة توزيع أوراق الإعتراف في الإقليم.

السؤال لم يعد من يسيطر على الأرض فقط، بل من يكسب ثقة الداخل وإعتراف الخارج معاً،ومن يفقد ثقة الشعب،قد يفقد الدولة، ولو بعد حين.

ولنا عودة.

الجمعة،٢٠نوفمبر/٢٠٢٦م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.