مسيلمة الشاشة: حين يتكلم الكذب بلسان الخبر

مسيلمة الشاشة: حين يتكلم الكذب بلسان الخبر

دكتور الوليد آدم مادبو

ليس كل من نطق صار صادقًا، ولا كل من ظهر على الشاشة صار شاهدَ عصر. بعضهم كان—وسيظل—مجرد مِذياع للكذب، يُدار عن بُعد، ويُغذّى بالإشاعة، ويعيش على تحويل الخراب إلى نشرة أخبار. المسلمى الكباشي—وأُسميه عامدًا مسيلمة—ليس استثناءً، بل خلاصة زمنٍ كاملٍ انقلبت فيه الصحافة إلى مهنة للوشاية.

 

اثنان وعشرون عامًا من الضخّ الممنهج، لا تُقاس بسنوات الخدمة بل بعدّاد التضليل. سنوات كان فيها هذا الرجل يخلط الخبر بالتحريض، ويُمرّر الأكذوبة في هيئة “تحليل”، ويُطيل عمر حكم الإنقاذ بجرعاتٍ يومية من الكذب المُنمّق. وفي تلك الحِقب، ذاق السودانيون على أيدي الإخوان المسلمين—الكيزان المفسدين—كل أصناف الإذلال، بينما كان مسيلمة يغسل الجرائم بماء اللغة، ويبيع الوهم على الهواء.

 

لكن القاع انكشف حين انتقل الرجل من التزييف العام إلى الاعتداء الشخصي الصريح. فقد تعمّد نشر أحكام مزعومة—سجنًا وغرامةً وإبعادًا—بحق د. الوليد آدم مادبو، قبل أن تستكمل القضية مراحل التقاضي، في جريمة مكتملة الأركان ضد قرينة البراءة وحق الدفاع. لم يكن ذلك خطأً مهنيًا عابرًا، بل اغتصابًا لمعنى العدالة، واستقواءً بالشاشة على القانون، ومحاولة فجّة لتحويل القضاء إلى ملحق لغرفة الأخبار.

 

ولم يقف الأمر عند البثّ، بل جاوزه إلى النشر على فيسبوك، في سلوكٍ تحظره السلطات القطرية منعًا باتًا، لما يمثّله من استهانة بحرمة الدولة والقانون والدستور قبل أن يكون استهانة بحرمة مواطن سوداني احتمى بـ*“كعبة المضيوم”* حينًا من الدهر، طلبًا للعدل لا للشماتة. وبسبب هذا الفعل تحديدًا، تم استدعاء مسيلمة الكباشي للنيابة، وسيمثل أمام القضاء، لا بوصفه “صحفيًا مظلومًا”، بل مُدّعى عليه انتهك خطوطًا حمراء لا يملك أحد تجاوزها.

 

بين الرفد والاستقالة: اعتراف متأخر لا بطولة فيه

 

حين خيّرت إدارة الجزيرة مسيلمة بين الرفد وتقديم الاستقالة، لم تكن تُمارس فضيلة مهنية، بل تُجري أقلّ عمليات الاحتواء كلفة بعد أن فاض الكيل. نشكر القناة على هذه الصحوة المتأخرة، لا بوصفها شجاعة، بل بوصفها إقرارًا ضمنيًا بأن ما جرى لم يكن زلّة فرد، بل ثمرة من ثمار خلل بنيوي طالما جرى التغاضي عنه.

 

ولأن الانحدار لا يهبط وحده، فقد قاد مسيلمة حملة اتسمت بالشماتة وسوء الخلق، مستعينًا بجوقةٍ ظنّت الصراخ موقفًا، والابتذال رأيًا. لم يكن الهدف إخبار الناس، بل تشويه إنسان؛ ولم تكن الغاية الحقيقة، بل إرضاء اصطفافٍ معلوم، في لحظة جرى فيها استدعاء القضاء ليؤدي دورًا لا يليق به.

 

المطلوب إذن ليس رأسًا يُقدَّم قربانًا للرأي العام، بل اقتلاع الشبكة التي تسللت إلى المؤسسات كما تتسلل السوسة إلى الخشب: تبدأ همسًا وتنتهي خرابًا. فالإخوان المسلمون—حيثما حلّوا—لا يبنون مؤسسات، بل يستعملونها، وحين تفرغ من دورها يتركونها مثقوبة الأخلاق.

 

أما مسيلمة الكباشي، فقصته ليست قصة “صحفي أخطأ”، بل نموذج لانحطاط مهني وأخلاقي: إعلام استبدل الحقيقة بالولاء، والمساءلة بالتشهير، والمهنة بالخدمة. وحين يُطوى هذا النموذج، لا نفرح بسقوط فرد، بل نعلن—ولو همسًا—أن زمن الكذب، حين يلبس بدلة المراسل، لم يعد محصّنًا من الحساب.

 

January 31, 2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.