السودان بعد الحرب.. سقوط وهم الدولة وبداية معركة التأسيس

 السودان بعد الحرب.. سقوط وهم الدولة وبداية معركة التأسيس

 

بقادي أحمد عبدالرحيم

الحرب في السودان لم تكن حادثًا عابرًا في تاريخ دولة مستقرة.
كانت إعلانًا صريحًا عن فشل نموذج الدولة نفسه.
ما إنهار ليس مجرد توازن عسكري، بل وهم طويل بأن السودان كان يمتلك دولة قابلة للحياة.
ما كشفتْه الحرب بوضوح قاسٍ هو أننا كنا نعيش داخل هيكل هش، تُدار فيه السلطة كغنيمة، ويُدار المجتمع كوقود لصراعات النخب.
إن أخطر الأكاذيب الآن هو الحديث عن (العودة إلى ما قبل الحرب) .
*
ما قبل الحرب هو الذي صنع الحرب.*
لا يمكن إنقاذ السودان بإعادة تدوير نفس الطبقة السياسية، ولا بترميم نفس العقلية التي تعاملت مع الدولة كملكية خاصة( هنا وفي هذا السياق قد كتبت كثيرا من المقالات النقدية الحادة حتى حشرت في زاوية الكاتب الناقد فقط ولكنها كانت ضرورية لإرساء الوعي الجمعي) ذا فإن كل تسوية لا تمس جذور الأزمة ليست سلامًا، بل تأجيلًا منظمًا لانفجار قادم .

المشكلة السودانية لم تكن يومًا نقص موارد، ولا عجز شعب، بل فشل مزمن في تعريف الدولة:
هل هي دولة مواطنين أم ساحة اقتسام نفوذ؟
تصبح فيه القبيلة أقوى من القانون،
والبندقية أسرع من السياسة،
والولاء الشخصي أهم من المؤسسات،
فإن الحرب لا تكون استثناءً *بل نتيجة منطقية*.

لهذا فإن ما بعد الحرب يجب أن يكون لحظة قطيعة، لا لحظة ترميم.
قطيعة مع فكرة أن الحكم حق مكتسب بالسلاح.
قطيعة مع ثقافة الإفلات من المحاسبة(التاريخية والحاضر الذي جعل شعبنا يشهد هذا الرعب) .
قطيعة مع تحويل الشعب إلى جمهور متفرج على صراع النخب.
أي مشروع وطني لا يبدأ بمساءلة صريحة للسلطة القديمة والجديدة هو مشروع خداع جماعي.

فالسودان لا يحتاج إلى مصالحة شكلية تُغلق الملفات باسم الاستقرار(تتبناها الرباعية ام السداسية) .
الاستقرار المبني على النسيان او تقاسم نفوذ او سلطة ما بين (نيالا و بورتسودان) هو استقرار مؤقت لأن العدالة المؤجلة هي حرب مؤجلة.

إن التأسيس القويم يبدأ بالاعتراف بأن الدولة السودانية، بصيغتها القديمة، انتهت فعليا، والسؤال الآن ليس كيف نعيدها، بل كيف نمنع إعادة إنتاجها؟ .
المعركة القادمة اذا نجح السودانيين في الجلوس بوساطة او بدون، ليست عسكرية.
إنها *معركة تعريف*
تعريف المواطنة ضد الامتياز.
تعريف السلطة كخدمة لا كغنيمة.
تعريف الجيش كحامٍ للدستور لا لاعب سياسي.
تعريف السياسة كإدارة مستقبل لا إدارة خوف وتسلط (مدارس دكتاتورية في شكل مواعين مدنية للسلطة) .
هذه ليست شعارات مثالية.
هذه شروط الحد الأدنى لبقاء دولة اسمها السودان وحمايتها من الانقسامات المستقبلية.

الجيل الذي خرج من هذه الحرب أمامه خيار تاريخي
إما أن يرث الخراب ويطوّعه كواقع،
أو أن يرفضه كنقطة بداية.
لا أحد سيبني السودان من الخارج(وإن استخدم هذه الحقيقة حماة الدولة القديمة للتناور السياسي بمكر تبقى حقيقة لا مفر منها) .
ولا مؤامرة أخطر من الوهم بأن الحل سيأتي جاهزًا من عواصم أخرى (القاهرة – دبي – الرياض-واشنطن)، فالأمم التي تنتظر إنقاذًا خارجيًا تتنازل تدريجيًا عن حقها في تقرير مصيرها.
ما يحتاجه السودان مستقبلاً ليس قائدًا ملهمًا فقط، بل عقدًا وطنيًا جديدًا يُخضع الجميع مدنيين وعسكريين لفكرة واحدة= لا أحد فوق الدولة.
هذه هي المعركة الحقيقية بعد الحرب.

معركة إخضاع القوة للقانون،
وإخضاع السياسة للأخلاق(اهم النقاط سأتعمق أكثر في هذه النقطة قريبآ)
وإخضاع الذاكرة للحقيقة.
بدون ذلك، سنخرج من حرب لندخل في نسخة أكثر تنظيمًا منها.
سوداننا العزيز لا يقف أمام إعادة إعمار مستقبلاً .
السودان يقف أمام امتحان وجود.
إما أن يؤسس نفسه من جديد
أو يواصل الانهيار ويتفتت.

نعرج إلى طرف المعادلة الثالث كتلة (لا للحرب).

يقال انه في تاريخ إدارة الدول وصناعة السياسات العامة، لم تُبنَ الكيانات المستقرة على ردود الأفعال أو على التوظيف السياسي العابر، بل على تفكير استراتيجي قادر على إنتاج أنظمة تستوعب الاختلاف وتديره لا أن تنكره أو تسحقه(دي حاجة ما عندها اي علاقة بتاجر الكلمة مجرد فلسفة مني واحتمال يكون كوميديا سوداء!؟) .
إن التفكير خارج الأطر التقليدية لا يُعد ترفًا ذهنيًا، بل يُمثّل أحد أهم ركائز بناء الدول القادرة على الاستمرار وترسيخ أفكارها عبر الزمن. فالدولة التي لا تُنتج داخلها خطوطًا متعددة للفعل السياسي، محكومة إما بالانفجار أو بالجمود(لن يفهمها القلاجة) .
من هذا المنطلق، يمكن فهم ما أسميه منهج (الخطوط داخل الدولة)، وهنا كنت اقود نقاشات كثيرة في السنوات الأخيرة مع المفكرين وبعض كتاب الرأي وأيضا رجال دولة عملوا على صياغة المفاهيم الأساسية للسودان القديم جزئياًوالجديد إن حدث وأهمها مسألة وضعية تحالف الحرية والتغيير وتحالف (صمود)
هل هم خط داعم للمشروع الثوري التغييري ، يضطلع بمهمة الاستقرار والتنفيذ في مرحلة ما بعد الحرب(مثل ما يروج) .

ام هم خط متعارض مُدار، أُنتج كمعارضة من داخل إطار الدولة القديمة ذاته، لا بهدف الهدم، بل لضمان الحيوية، والمرونة، والاستمرارية لدولة 56.(مثل ما اتفق عليه كل من دكتور امل الكردفاني في مقاله الأخير بعنوان -من القمة إلى الهاوية-ودكتور الوليد مادبو تلميحاً في بعض كتاباته عندما يعرج على خطاب المظلومية التاريخية.

بهذا المعنى(الاخير طبعا وانا أميل إلى هذا) فإن ما يظهر أحيانًا من مشاكسة أو تباين في الخطاب والمواقف بين معسكر بورتسودان ونظامه الإداري من جهة، وبعض قوى المعارضة المنظمة مثل قحت (صمود) من جهة أخرى، لا يمكن قراءته دائمًا بوصفه صراعًا صفريًا أو فشلًا في إدارة الدولة، بل قد يكون – في سياق أوسع – أحد تكتيكات الإحياء السياسي وخطوط الدفاع غير الصلبة لدولة ما بعد الحرب،
وإزداد أهمية هذا الخط حين إمتلك أدوات سياسية وإعلامية مكّنته من إقناع المجتمع الدولي باعتباره خيارًا داخل المعادلة الوطنية(إن وجدت) ، لا بديل عنها ولا نقيضًا لها. *هنا تحديدًا* يتبدّى الفارق العميق بين عقلية الدولة التي تفهم السياسة كمنظومة معقّدة متعددة المستويات، وبين مشاريع أخرى لا تزال أسيرة التصورات الاختزالية، سواء سُمّيت بالسودان الجديد أو الهامش أو غير ذلك من التسميات.

إن الفجوة الحقيقية ليست في النوايا ولا في الشعارات، بل في القدرة على التفكير التنفيذي، وبناء المؤسسات، وإدارة التناقضات دون تفكيك الدولة نفسها.
وسأفرد لاحقًا – في مقالات قادمة – تفصيلًا دقيقًا للفارق بين:
قيادة الحرب(لهذه الفترة تحديداً).
وقيادة الاستقرار ما بعد الحرب
من حيث الأدوار، والهياكل، ونوعية القادة، وآليات اتخاذ القرار.
ذلك أن بناء الدولة لا يتم بالصدام الدائم، ولا بالمجاملات السياسية، بل بامتلاك رؤية قادرة على الجمع بين الصلابة الاستراتيجية والمرونة التكتيكية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.