المثقف السوداني ومحنة الصدق
المثقف السوداني ومحنة الصدق
إبراهيم هباني
في المنعطفات الكبرى، لا تختبر الأحداث قوة الجيوش ولا صلابة التحالفات وحدها، بل تختبر أيضاً صدق النخب. فالتاريخ لا يكتفي بتسجيل من هزم ومن انتصر، بل يدقق طويلا في من بدل مواقفه، وفي اللحظة التي قرر فيها التخلي عن منطقه السابق.
في الحالة السودانية، تبرز ظاهرة تستحق نقاشا هادئا بلا مجاملات: مسار بعض المثقفين الذين قدموا طويلا بوصفهم وطنيين، وتنقلوا فكريا بين اقصى اليمين ويمين الوسط ويسار الوسط، قبل ان يستقروا كتابا وروائيين واصواتا ثقافية فاعلة، ثم انتهوا الى مواقف يصعب الدفاع عنها تحت لافتة المراجعة الفكرية.
هؤلاء لم يخرجوا من السودان سياحا. خرجوا وهم يحملون صفة الضحية. نالوا اللجوء السياسي باعتبارهم متضررين من نظام الحركة الاسلامية، ومن عسف أجهزته الأمنية ذات الطابع التعبوي، وقدموا للعالم كشهود على الاستبداد، واكتسبوا بذلك راسمالا اخلاقيا منح خطابهم قوة وتأثيرا.
غير أن هذه القوة تحولت، مع الوقت، من شهادة على القمع إلى خطاب ملتبس، لا يدين البنية التي صنعت العنف، بل يعيد تدويرها بلغة مختلفة.
اليوم، يدافع بعض هؤلاء، تصريحا او تلميحا، عن الجهة التي أسست قوات الدعم السريع، وشرعنتها داخل برلمان الحركة الاسلامية، ثم مضت لاحقا الى الغاء النص الذي كان يربط هذه القوات بقرار الجيش. لم يكن ذلك تعديلا قانونيا عابرا، بل خطوة حاسمة فتحت الباب لازدواج السلاح، ثم لفقدان الدولة مرجعيتها الحصرية للقوة.
السؤال هنا ليس عن توزيع المسؤوليات بين الجيش والدعم السريع، ولا عن مفاضلة بين اخطاء المؤسسات. السؤال ابسط واشد احراجا: كيف ينتهي مثقف خرج من بلدته كضحية دولة امنية، مدافعا عن احد اخطر منتجاتها؟
هذا التحول لا يقدم باعتباره نقدا ذاتيا شجاعا، بل يغلف بخطاب الواقعية السياسية، وكأن تفكيك مرجعية الدولة المسلحة صار ثمنا لا بد من دفعه. غير ان الواقعية، حين تتحول الى تبرير للفوضى، تفقد معناها السياسي، وتصبح مجرد تسمية مخففة للعجز الاخلاقي.
الدولة لا تنهار حين تنتقد مؤسساتها، بل حين تفقد احتكارها المشروع للعنف. والغاء ربط المليشيا بالمؤسسة العسكرية لم يكن اصلاحا لمسار مختل، بل اعلانا مبكرا عن التخلي عن فكرة الدولة ذاتها. الدفاع عن هذا المسار، مهما حسنت نواياه، هو دفاع عن السلاح المنفلت، لا عن المدنيين ولا عن التحول الديمقراطي.
المفارقة الاكثر ايلاما ان هذا التبرير يصدر عمن يفترض انهم الاكثر حساسية تجاه القمع. فمن خبر السجن والمنفى، يفترض ان يكون الاكثر حرصا على منع اعادة انتاج ادوات الاستبداد، لا التسامح معها بحجة الضرورة.
ليست هذه ازمة افراد، بل محنة نخبة. نخبة لم تتخل عن منطق السلطة، لكنها غيرت لغته. فما كان يقال قديما باسم الامن، يعاد اليوم تسويقه باسم الواقعية. وما كان يبرر باسم حماية الدولة، يقدم الان كخيار لا بديل عنه.
في مثل هذه اللحظات، لا تكون الكتابة ترفا ثقافيا ولا فعلا محايدا. هي موقف.. اما دفاع عن فكرة الدولة، او تبرير لتفككها.
وهنا تحديدا، يواجه المثقف السوداني محنته الحقيقية:
محنة الصدق مع ذاكرته، قبل صدقه مع القارئ.