مطاردةُ الحمار وتركُ الذهب: أسئلةُ الشرقِ المؤجَّلة

مطاردةُ الحمار وتركُ الذهب: أسئلةُ الشرقِ المؤجَّلة

 

صالح عمار

عادت انتهاكات ما يُعرف بقوات «مكافحة التهريب» في ريفي كسلا (شرق السودان) إلى الواجهة من جديد، بعد حادثة «القرقف» التي جرت مساء يوم (20 يناير 2026)، عقب اقتحام هذه القوات لمساكن مواطنين والاعتداء عليهم بحجة مطاردة مشتبه به في التهريب، كان يستخدم حماراً في تنقله. وقد جاءت ردة فعل الأهالي بمحاصرة مكتب هذه القوات في المنطقة.
ما يجب التذكير به أولاً هو أن هذه القوات لها سجل طويل من الانتهاكات يمتد لعشرات السنين، يعرفه سكان ولاية كسلا، ولا سيما أهل الأرياف وأطراف المدن.
إن فكرة هذه القوات، والصلاحيات الواسعة الممنوحة لها، مبنية على فرضية مفادها أن كسلا تُعد من أكبر مناطق التهريب في السودان، وهي فرضية صُنعت صناعةً لفتح المجال أمام نشاط الأفراد في الأجهزة النظامية الذين مرّوا على كسلا وأثروا منها، وقصصهم معلومة. أما تضخيم الأمر في الإعلام ومنابر السياسة طوال العشرين عاماً الماضية، فقد لعبت فيه مصالح الأفراد داخل الأجهزة، والمنافسات بين التجار، دوراً واضحاً.
ما يجب التأكيد عليه أولاً هو أن نسب التهريب في الماضي والحاضر تُعد الأقل مقارنة بمناطق أخرى، أو بملفات إستراتيجية أخطر، مثل تهريب السلاح، والصمغ العربي، والذهب. وهي تجارة أغلب المنخرطين فيها من الفقراء القاطنين على الحدود، الذين لم يعرفوا خدمات قدّمتها لهم حكوماتهم، ولا يُقنعهم منطق القادمين من أقاليم – بل وحتى دول – أخرى بأن مناطق قبائلهم وامتداداتهم السابقة لنشوء الدول قد صارت حدوداً فاصلة لا يجوز عبورها. وإن قبِلوا بمنطق الحدود هذا، فإن تنقّلهم وعملهم وتجارتهم تتم عبر إجراءات معقدة لا يعرفون غايتها ولا مقصدها.
والأسئلة التي نطرحها هنا، وننحاز فيها لمصلحة هذا الإنسان، هي: ما سبب تعطيل معابر الشرق مع إريتريا، ومصر، وإثيوبيا بصورة دائمة، بينما تبقى معابر أقاليم أخرى مفتوحة حتى في أحلك الأوقات؟ ولماذا لا تتم ملاحقة كبار المهربين بدلاً من التركيز على البسطاء الذين يتحركون بأعداد قليلة، وبوسائل بدائية مثل السيارات الصغيرة (التكتك مثلاً)، بل وحتى الحمير؟ ولماذا لا تُفتح حدود السودان للتجارة الرسمية مع إريتريا، وهي الحليف الأقوى لسلطة البرهان اليوم؟
تفرض السلطة إجراءات استثنائية متعددة على طول الحدود الشرقية منذ التسعينيات، وهي بمثابة حالة طوارئ غير معلنة، ودون أسباب موضوعية، تحدث عنها قادة المجتمع كثيراً، لكنهم لم ينجحوا في تغييرها.
وقد تسببت هذه الإجراءات في غضب مكتوم؛ لذلك فإن أي انتهاك – صغر أو كبر – يُقابل برد فعل، وفي اللاشعور الجمعي يتراكم تاريخ طويل من الانتهاكات والتمييز. وفي ذاكرة الأهالي أن الأجهزة الأمنية شاركت ودعمت الصراعات الاجتماعية في الشرق بعد سقوط البشير، ومارست تمييزاً عنصرياً ضدهم علناً. وقد تجاوز أهل الشرق ذلك بحكمة قياداتهم، وهم يدركون أن ذلك كان فخاً ظلت تنصبه الأجهزة في مختلف الأقاليم منذ العام 1956.
ويُضاف إلى كل ما سبق أمر ربما نسيته سلطة البرهان؛ فقد لعب التدخل الإريتري دوراً مهماً في عدم امتداد الحرب إلى الشرق. ففي اللحظة التي اندلعت فيها حرب «15 أبريل 2023» كانت هناك قطاعات معتبرة في الشرق تعيش حالة غضب مكتوم نتيجة أحداث الفترة الانتقالية ومابعدها. ولا أقصِد فقط الصراعات المعروفة التي سلّط الإعلام عليها الضوء، بل أحداثاً أخرى لم تنل حظها من التغطية الإعلامية، ومنها أحداث النيل الأزرق التي امتدت إلى قلب كسلا، وراح ضحيتها شهداء، عقب الأحداث التي نتج عنها حرق أمانة حكومة كسلا ومرافق أخرى (يوليو 2022).
وعقب اندلاع الحرب مباشرة، أجرت إريتريا حوارات شارك فيها معظم قادة الشرق، وعقد قادة إريتريون لقاءات منفردة مع أكثر من (150) شخصية من قيادات الإقليم، وتمت سلسلة من المعالجات التي نزعت فتيل الأزمة مؤقتاً.
ويُلاحظ اليوم، وبعد ثلاث سنوات من الحرب، أن هناك حالة غضب عالية بين مكونات الشرق يمكن أن تحوّل أي حدث صغير إلى توتر أو صراع. ويعود ذلك إلى سياسات سلطة البرهان التي أقصت أهل الشرق داخل إقليمهم، وإلى النهب السريع الجاري للموارد، وغياب أي بوادر اعتراف بمشكلات الإقليم، أو الاستعداد للدخول في حوار سياسي يفضي إلى تسليم أهل الإقليم السلطة والتحكم في شؤونهم.
على سلطة البرهان أن تدرك أن ثورة ديسمبر وحرب «15 أبريل» قد أحدثتا تغييراً جذرياً في السودان، الذي يقف اليوم أمام طريقين لا ثالث لهما: التغيير الجذري أو التفكيك. ولم يعد ينطلي على أحد – حتى من يساندون السلطة من أبناء الشرق – ألاعيب السلطة التي خبروها لعشرات السنين، وهتاف الشباب اليوم واضح: الحقوق اليوم، وليس غداً.
ومع كل ما ذُكر، وحقيقة أن الوضع بلغ نقطة اللاعودة، أُجدِّد مناشدتي لكل العقلاء من قادة الشرق بالاستمرار في الحراك السلمي، ومنع الانجراف إلى العنف، سواء كان ضد السلطة أو بين المجتمعات. إن الصبر على طريق السلم هو ما منح الشرق اليوم موقعاً أفضل مما كان عليه قبل سنوات، وسيضعه في مواقع أكثر تقدماً في المستقبل القريب. فقد أثبت التاريخ أن الحرب والنزاع – ما لم يكونا تحت ضرورة قصوى – هما الطريق الأطول، والباب الأوسع لخلق مشكلات أكبر وفتح المجال للتدخلات الخارجية الضارة.
إن واجب المرحلة في الشرق هو الاستمرار في ترتيب البيت الداخلي، وترسيخ السلام والتوافق، ورفع الصوت عالياً، والتنظيم في مواجهة حملات النهب السريع وبيع الإقليم للخارج والداخل. إن تحقيق النجاح في هذه التحديات سيكون المدخل نحو الأهداف الأخرى، والغاية النهائية هي: كرامة وحرية إنسان الإقليم، وحقه في التنمية والحكم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.