حرب السودان سببها الأول و الأخير هو خلل بنية الدولة السودانية و فشل السودانيين في ادارة التنوع
حرب السودان سببها الأول و الأخير هو خلل بنية الدولة السودانية و فشل السودانيين في ادارة التنوع: تحركات أمريكية لفرض الهدنة الانسانية بشكل مباشر
بكري الجاك
تتعالي أصوات هذه الأيام لتصور أن الحرب في السودان محض مخطط أجنبي علي الدولة السودانية و السعي الي تفكيكها و اضعاف جيشها، و للاستدلال عي هذه الخلاصة يتم استدعاء وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي نشرها البيت الأبيض في نوفمبر الماضي و كما يتم الاستشهاد بما يدور هذه الأيام في اليمن من صراع بين المملكة العربية السعودية و الامارات العربية المتحدة، و ايضا تتم الاشارة لاعتراف اسرائيل بجمهورية أرض الصومال.
طبعا كل من يعتقد أن هناك فعل ما داخل دولة ما ليس له ابعاد و تأثيرات خارجية فهذا جاهل فعلموه و كل من يعلم و ينكر هذا التاثير فهذا غير مدرك لطبيعة العالم المعاصر و لا يصلح أن يقود الناس. الحقيقة الموضوعية أن الحرب يخوضها سودانيون ضد بعضهم البعض وأن هذه الحرب اندلعت لاسباب مباشرة من بينها ظاهرة تعدد الجيوش و غياب وحدة سلسلة القيادة و اكتمال ظاهرة اختطاف الدولة بواسطة كارتيلات مسلحلة قوامها تحالف المال و السلطة، و كنت قد كتبت بعيد انقلاب 25 اكتوبر 2021 أن لهذه الكارتيلات تحالفات خارجية و أنها اذا تقاتلت في السيطرة عي جهاز الدولة سيكون تأثير الخارج مباشر وواضح في الشأن السوداني، و لكن تظل الأزمة في جوهرها أنها ازمة داخلية و سودانية.
المهم في تقديري أن الذين يستخدمون هذه الحجة يهدفون الي تبرير أن الحرب مفروضة عي الدولة السودانية و أن خوضها يجب أن يكون و كأنه جزء من فعل المقاومة و أن الحرب واجب مقدس، و هذا محض هٌراء، و الحقيقة أن ايقاف الحرب هو الوسيلة الانجع لهزيمة مخططات الخارج، ان وجدت، و ان الحرب اذا استمرت سوف تفكك ما تبقي من الدولة السودانية و مؤسساتها، هذا يجب أن يكون أمرا جليا و واضحا و لا لبس فيه. أما الذين يتحدثون عن الحرب كضرورة عليهم اولا أن يتركوا مقاعدهم الوثيرة و حياتهم الرغدة هم و اهاليهم و ليذهبوا الي ساحات القتال اولا قبل الزج بابناء السودانيين في محرقة و مقتلة لا نهاية لها و ليس لها هدف سياسي واضح سوي جعلها وسيلة اغتناء لتحالف المال و السلطة الذي جعل الحرب مجرد مغنمة للمال و وسيلة لاقصاء كل المخالفين للرأي بحجة أنهم خونة و عملاء و ادوات التدخل الخارجي، و الغريبة هذا القول يصدر من أناس ليس لهم أي وازع في بيع كل الوطن و سيادته و ترابه و موانيه بحجة الحفاظ علي ذات السيادة المعروضة للبيع و ذات الكرامة المهدورة في دول الجوار، اذ اصبح حال السودانيين كما حال “غنم الاشلاق” يهيمون علي وجوههم في طرقات في هذه الدول.
أما الأهم هو ما أتي في تويتة المتحدث باسم الخارجية الامريكية و التي حمّلت القوات المسلحة لأول مرة بشكل مباشر مسؤولية تعطيل تنفيذ خارطة طريق الرباعية و التي ستبدأ بهدنة انسانية لمدة ثلاثة أشهر، الواضح أن الولايات المتحدة ستنفذ هذه الهدنة بموافقة أو رفض سلطة بورتسودان و دون تعاونها، و ما توقيع مذكرة التفاهم بين الادراة الامريكية و الأمم المتحدة الا بدليل عملي عي هذه الخطوات، اذ أن الولايات المتحدة ستشرف علي أعمال الاغاثة بنفسها لانها وحدها تكفلّت بحوالي 33 في المية من الأموال المطلوبة للاغاثة. هذا و من الواضح أن عملية تصنيف الجماعات الاسلامية في السودان تمضي بشكل حثيث، و ربما يشمل كل الرافضين و المعرقلين لمسار السلام (مشتركة و غيرها)، و التحدي أمام صٌناع السياسة الآن ليس هو التصنيف و حسب بل ماهي التبعات الادارية و القانونية لهذا التصنيف من محاصرة الأموال و الحد من حركة الأفراد، و ربما اجراءآت أخري أكثر شدة. فمن الواضح أن سياسية بورتسودان القائمة علي التعامل مع الشعب السوداني كرهينة و كحال من يمسك برقبة الشعب السوداني و يهدد العالم انهم سيقتلونهم اذا تم الضغط عليهم لايقاف الحرب لم تعد تجد القبول خارجيا، و اعتقد أن التعامل مع سلطة بورتسودان كمجموعة فاقدة للأهلية و موصومة بالجنون سيكون هو السيناريو في مدخل العام الجديد، الا اذا كان بهذا المعسكر من له عقل فليذهب الي تنفيذ الهدنة و بدء اجراءآت ايقاف و انهاء الحرب.
أما الذين يرغبون في صراع اقليمي مع اسرائيل أو ضد الامبريالية العالمية و يعملون علي توظيف حرب السودان كواحدة من ميادين المواهجة فنقول لهم بلسان الشعب السوداني الذي نحن جزء منه أن هذه ليست حرب السودانيين و لم تكن يوما ما، فاذهبوا انتم و اهاليكم و قاتلوا بعيدا عن السودانيين الذين دفعوا ثمن تطرف و غلو و وأهام الاسلاميين بالاستهداف الخارجي ما يقارب الاربعون عاما، دعوا الناس أن يعودوا بيوتهم و الاطفال الي مدراسهم و العشاق الي حدائقهم.
هزيمة الخارج و الحفاظ علي الدولة و مؤسساتها طريقه يبدأ بايقاف الحرب و انهاء حالة الانقسام الاجتماعي و السياسي فما هي الدولة سوي سكان و اقليم محدد و سيادة حسب المفهوم الكلاسيكي، السيادة مٌزقت و الاقليم الجغرافي انقسم اداريا و الشعب السوداني انقسم وجدانيا. أما وظيفيا فما هي الدولة أن لم تتمكن من1) احتكار العنف ( الآن هناك ما يزيد عن المئة مليشيا مسلحة) و2) انفاذ التعاقد الاجتماعي ( الذين سيطرو علي الدولة الآن يرفضون اعطاء الاوراق الثبوتية لمخالفيهم الرأي و لاثنيات بعينها) و 3) تنظيم المجتمع وفق السياسات العامة. الشاهد أن الحرب هي سبب انهيار الدولة بالفمهوم الكلاسيكي و غيابها التام بالمفهوم الوظيفي و عليه فأن ايقاف الحرب هو ضرورة للحفاظ علي الدولة و الشعب و الأرض و ليس العكس بتوظيف الصراعات الاقليمية لتبرير استمرارها.
بكري الجاك
30 ديمسبر 2025