مقامرة بورتسودان الأخيرة – قراءة في تحذيرات المهندس خالد عمر يوسف من مخططات التقسيم والوكالة الدولي
مقامرة بورتسودان الأخيرة – قراءة في تحذيرات المهندس خالد عمر يوسف من مخططات التقسيم والوكالة الدولي
بقلم: الاستاذ احمد عثمان محمد المبارك المحامي
في السادس والعشرين من ديسمبر، أطلق المهندس خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بالتحالف المدني الديمقراطي صمود، صرخة تحذير مدوية عبر صفحته على فيسبوك، لم تكن مجرد قراءة سياسية عابرة، بل كانت كشفاً لمخطط انتحاري تدار غرفه المظلمة في بورتسودان. فقد حذر خالد من مغامرتين، الاولى تسويق تقسيم السودان، والثانية تحويل الدولة إلى وكيل خدمات للقوى الخارجية.
إن فحص هذه التحذيرات يضعنا أمام الحقيقة العارية وهي اننا لا نواجه فشلاً إدارياً فحسب، بل نواجه عقيدة الهدم التي تتبناها الحركة الإسلامية وحزبها المنحل (المؤتمر الوطني) كخيار أخير للبقاء في السلطة
التقسيم بضاعة الكيزان الأخيرة
منذ سقوط نظام البشير، لم تكن وحدة السودان يوماً أولوية للحركة الإسلامية. واليوم، مع انحسار سيطرتهم الميدانية، يعود إسلامويو بورتسودان للعب بورقة دولة النهر والبحر، ليس حلاً للنزاع كما يدعون، بل محاولة لخلق إمارة أيديولوجية معزولة، يسهل فيها قمع الأصوات المدنية والسيطرة على الموارد بعيداً عن تعقيدات غرب السودان الكبير. فهم يروجون لانفصال خطي بسيط، لكن الحقيقة التي أشار إليها المهندس خالد عمر تتمثل في أن هذا المسار سيقود إلى تشظي البلاد لدويلات أمراء حرب، لن يسلم الشرق ولا الشمال من انفجارها؛ فالتناقضات التي يزرعونها اليوم ستحصدها الأجيال القادمة دماً وتشريداً.
بورتسودان سوق النخاسة السياسي
المغامرة الثانية التي فضحها خالد عمر هي تحويل بورتسودان إلى وكيل يقبل تقديم أي خدمة لأي طرف خارجي مقابل شرعية زائفة. وهنا تظهر انتهازية المؤتمر الوطني في أبهى صورها، فهم مستعدون للتفريط في السيادة الوطنية، ورهن الموانئ، والدخول في محاور متناقضة تفوق قدرة الدولة المنهكة، لضمان بقاء تنظيمهم الإرهابي في كراسي السلطة، ولو فوق ركام الوطن.
الدور الدولي من التصريح بالقلق إلى الحسم الميداني
لا يمكن للمجتمع الدولي أن يقف موقف المتفرج وهو يرى بؤرة إرهاب وصراع جديدة تتشكل في قلب القارة الأفريقية. إن كبح جماح هذا المخطط يتطلب من الفاعلين الدوليين والإقليميين الانتقال من بيانات القلق إلى إجراءات حاسمة تشمل، نزع الشرعية عن دعوات التقسيم عبر الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإرسال رسالة واضحة بأن أي محاولة لإعلان حكومة أمر واقع في أي جزء من السودان لن تجد اعترافاً دولياً، بل ستواجه بعقوبات قاسية.
ان وكالة الخدمات التي تروج لها سلطة بورتسودان يجب أن تُقابل بحظر مالي وشل لحركة الموارد التي تغذي استمرار القتال، مع التركيز على ملاحقة شركات واجهات الحركة الإسلامية في الخارج.
وعلى المجتمع الدولي الاستثمار في البديل المدني باعتباره الضامن الوحيد لوحدة السودان، وتكثيف الضغط لإجبار الطرفين على الانخراط في عملية سياسية شاملة تقصي دعاة الفتنة والتقسيم.
إن استقرار السودان ووحدته ليسا مجرد شعارات، بل ضرورة وجودية تتطلب خطوات حاسمة تستئصل هذا الورم السرطاني من جسد الوطن. فلا يمكن الحديث عن وحدة السودان في ظل وجود حركة إسلامية تعتاش على الفتن والحروب. لذلك فإن التخلص من نفوذ هذا التنظيم الإرهابي هو الخطوة الأولى لاستعادة القرار الوطني.
اذن فإن الحل يكمن في وقف نزيف الدم فوراً، والذهاب إلى حوار سوداني- سوداني يؤسس لجيش مهني واحد ودولة مدنية ديمقراطية.
وكما ذكر اامهندس خالد عمر يوسف، فإن الانتقال المدني ليس رفاهية، بل شرط وحيد لمعالجة أزمات المواطنة والتهميش التي استغلها الكيزان لعقود
.
وأخيرا، فإن السودان يمر بلحظة تشبه مخاض الموت أو الولادة، فإما أن نترك مقامري بورتسودان يمزقون ما تبقى من أرضنا إرضاءً لشهوة السلطة لدى التنظيم، أو نصطف خلف خيار الوحدة، ونبذ جنون التقسيم والمطالبة بوقف الحرب كشرط لزيادة الوعي الشعبي بأن عدوه الأول ليس في الآخر، بل هو ذلك المؤتمر الوطني الذي يرى في السودان مجرد غنيمة إما أن يحكمها أو يبيدها.