البرهان من الرياض والقاهرة إلى أنقرة… الهروب من الحقيقة
البرهان يريد فقط أن يقول إن الرياض والقاهرة وأنقرة معه لكن من دون أن يخطو ولو خطوة صغيرة لتنفيذ التعهدات التي يقطعها لقادة الدول الذين التقى بهم وأظهروا حفاوة به.
لا يتوقف قائد الجيش السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان عن القيام بزيارات خارجية لعواصم بعضها زارها مرتين وثلاثا، لكن من دون أن ينعكس ذلك على واقع الأزمة السودانية. تحولت الزيارات المكوكية إلى ما يشبه اللعبة الافتراضية التي يدمنها بعض الشباب فلا يتوقفون عنها فازوا أم خسروا.
يعتقد البرهان أن الزيارات الخارجية، وآخرها زيارته لأنقرة الخميس واستقباله من الرئيس التركي، تظهر أنه قوي ولديه شرعية إقليمية ما يؤهله للاستمرار في الحرب، وخاصة امتصاص ما بدا لدى السودانيين من قناعة بعجز المؤسسة العسكرية عن حسم الصراع وحماية المحافظات التي تسيطر عليها، مع استمرار قوات الدعم السريع في ضرباتها الاستعراضية من محافظة إلى أخرى.
وبالبحث في نتائج الزيارات ومدى تأثيرها على المشهد السوداني، وحتى على وضع البرهان نفسه، يجد المتابع بأنها غير ذات فائدة، فلا شيء قد تغير على الأرض عسكريا، وعلى العكس من ذلك فإن الأمور تسير نحو الأسوأ مع التقدم الميداني لقوات الدعم السريع في أكثر من جبهة، وامتلاكها للمبادرة العسكرية.
تبدو الزيارات الخارجية هروبا من الحقيقة، حقيقة التراجع العسكري والعزلة السياسية الداخلية، فأغلب القوى المدنية تعارض سياسات البرهان وتدعم مسار نيروبي، الذي انتهى بتشكيل حكومة موازية محسوبة على الدعم السريع، فأي فائدة لقائد الجيش من زياراته ولقاءاته.
لا يبقى أمام البرهان سوى العودة إلى الواقع ليكتشف محدودية أوراقه العسكرية والسياسية ولا يبقى له سوى العودة إلى مربع الحلول السياسية التي ترعاها دول الإقليم وخاصة السعودية
المشكلة ليست في الدول الوازنة التي يزورها ويلتقي بقادتها من السعودية إلى مصر إلى تركيا، ولكن المشكلة في تعاطي قائد الجيش السوداني مع ما يجري من تفاهمات وتعهدات يتم قطعها في هذه العاصمة أو تلك.
يريد البرهان فقط أن يقول إن الرياض والقاهرة وأنقرة معه، لكن من دون أن يخطو ولو خطوة صغيرة لتنفيذ التعهدات التي يقطعها لقادة الدول الذين التقى بهم وأظهروا حفاوة به بعد لقاءات قمة معه وتأكيد الالتزام بدعم السودان للخروج من أزمته.
السعودية ومصر تريدان الوقوف مع السودان وليس مع البرهان. لو توافق بقاء البرهان مع استقرار السودان ووقف الحرب، فلن تناقش الرياض أو القاهرة بقاءه، لكن حين يصبح عاملا معرقلا ومربكا للاستقرار فليس هناك ما يدعو أي عاصمة إقليمية لدعم والتمسك به والاستمرار في استقباله مرة ومرتين.
هناك مصادرة ينطلق منها البرهان والمحيطون به مفادها أن مصر أو السعودية تريدان دعمه كبوابة لتقوية نفوذهما في السودان والبحر الأحمر، وهي مصادرة مبنية على افتراضات مغلوطة. فالسعودية مثلا لا تحتاج لنفوذ مباشر في السودان، وهي تريد دولة مستقرة وحكومة ممثلة لكل القوى بما في ذلك الجيش والدعم السريع والقوى المدنية والحركات المسلحة في اتفاق وطني شامل ينهي عقودا من الحرب. الاستقرار يضمن مصالح أي دولة إقليمية لأنه يتيح لها الاستثمار في مجالات اقتصادية معلومة تفيد بها السودانيين وتستفيد هي في مقابل استثماراتها.
أما بالنسبة إلى مصر، فهي تتعامل مع البرهان كقائد للجيش السوداني وليس كواجهة للحركة الإسلامية. تتعامل القاهرة مع المؤسسة العسكرية كمؤسسة ضامنة للاستقرار على المدى البعيد، وليس لأنها تحت سلطة البرهان أو مخترقة من جماعة الإخوان المسلمين. المصريون يفرقون بين الجيش كدعامة من دعامات الدولة السودانية، وبين من يرأسه. وما قالته القاهرة قبل أيام بشأن رفض تفكيك السودان ليس فيه دعم للبرهان بقدر ما يعبر عن الخطوط الحمراء المصرية بشأن الوضع في السودان.
وترفض القاهرة أي تفتيت للجيش السوداني حتى لا يتحول إلى نواة قوة لدى الميليشيات العسكرية ما يهدد أمن مصر القومي، ولأجل ذلك فهي لا تفتح الباب أمام أي علاقة مع المجاميع العسكرية السودانية حتى وإن كانت ترفع لواء العداء للحركة الإسلامية. وتاريخيا احتضنت القاهرة المعارضة السياسية لحكم جبهة الإنقاذ الإسلامية، لكنها لم تستقبل أي قوة مسلحة.
ببساطة الجيش المصري، ذو النفوذ القوي في الدولة يريد التعامل مع المؤسسة العسكرية السودانية ويرفض إضعافها.
يبقى أمل البرهان دائما في تركيا، التي ينظر إليها الكثير من الإسلاميين على أنها ملجأ لهم وداعم مفترض لاعتبارات بعضها تاريخي والبعض الآخر مرتبط بتعاطي أنقرة الداعم كلاميا للربيع العربي وصعود الإسلاميين إلى السلطة قبل أن تتراجع عن هذا الخيار بعد التوترات التي حصلت مع دول الخليج الرئيسية، وهو توتر تضررت منه مصالحها بشكل كبير.
لا يمكن أن يغامر الأتراك بالتدخل في منطقة حيوية خاصة أن خطوة مثل هذه ممكن أن تهدم ما قام به الأتراك من تطبيع مع مصر ودول الخليج، وهم يستعيدون تشدد مصر في معارضة التدخل التركي في ليبيا
صحيح أن أنقرة استقبلت البرهان في أكثر من مرة، وأظهرت الحفاوة لوجوده، لكن القيادة التركية لم تتجاوز في حديثها التصريحات العامة عن دعم السودان واستقراره، وهو كلام حمّال أوجه ولقائد الجيش السوداني أن يفهم منه ما يريد. لكن لحد الآن لم تخط أنقرة أي خطوة باتجاه دعم البرهان فعليا في مواجهة الدعم السريع.
لو كانت تريد إنقاذه لتحركت كما فعلت في ليبيا وسوريا خاصة أنها تمتلك عنصر قوة رئيسي، وهي المسيرات التي قلبت وجه الحرب في السودان خلال الأسابيع الأخيرة بعد أن حصلت عليها الدعم السريع واستخدمتها في حسم معركة الفاشر وإحداث اختراق في كردفان وعلى الحدود مع جنوب السودان.
لا يمكن أن يغامر الأتراك بالتدخل في منطقة حيوية خاصة أن خطوة مثل هذه ممكن أن تهدم ما قام به الأتراك من تطبيع مع مصر ودول الخليج، وهم يستعيدون تشدد مصر في معارضة التدخل التركي في ليبيا. كما أن دول الخليج، بما في ذلك السعودية، ستنظر إلى التدخل التركي في السودان على أنه تهديد لأمنها القومي راهنا ومستقبلا، وقد يقود الأمر إلى مراجعة سياسة الانفتاح الخليجي على أنقرة، وهو المسار الذي حصلت فيه أنقرة على استثمارات كبرى مكنها من إنقاذ اقتصادها.
بيان دائرة الاتصال في الرئاسة التركية الخميس بشأن فحوى لقاء أردوغان بالبرهان يظهر بوضوح الموقف التركي، الذي ينأى
بالنفس عن أي تورط في السودان، حيث تحدث عن تعزيز التعاون “في العديد من المجالات، بدءا من التجارة والزراعة وصولا إلى الصناعات الدفاعية والتعدين”، وأن “تركيا ستواصل تلبية احتياجات الشعب السوداني، الذي يواجه أزمة إنسانية، عبر تقديم المزيد من المساعدات الإنسانية”.
وتظل المشكلة كامنة في أن قائد الجيش السوداني لا يملك الكثير من المفاتيح التي تجعله يمنح بعض الدول مزايا خاصة مع تعلق بعرض قيام قاعدة على البحر الأحمر، وهو عرض سبق أن قدمه السودان لإيران وروسيا وتركيا، لكنه يظل عرضا فضفاضا لأن البرهان لا يملك سيطرة فعلية على الأرض يمكن أن تحمي الاتفاقيات التي يريد توقيعها، كما أن الدول المعنية لن تجازف بدخول ميدان متوتر قد يجرها إلى خطوات غير محسوبة.
لا يبقى أمام البرهان سوى العودة إلى الواقع ليكتشف محدودية أوراقه العسكرية والسياسية، ولا يبقى له سوى العودة إلى مربع الحلول السياسية التي ترعاها دول الإقليم وخاصة السعودية، على أن يكون طريقه إلى ذلك تقديم تنازلات جدية (هو وغيره من الفاعلين) لإنجاح المسار التفاوضي، والكف عن الدوران في حلقة مفرغة.
مختار الدبابي
العرب