البرهان والخيانة الكبرى: لماذا يرفض السلام ويغرق السودان في الحرب لحماية مصالح النظام البائد؟

 

 البرهان والخيانة الكبرى: لماذا يرفض السلام ويغرق السودان في الحرب لحماية مصالح النظام البائد؟

أواب عزام البوشي

 

في لحظةٍ كان فيها السودان على شفا فرصة حقيقية لوقف الحرب، ولحظة كانت فيها البلاد تتهيأ لإعطاء شعبها حق التقاط أنفاسه، اختار عبد الفتاح البرهان أن يغلق الباب أمام السلام. لم يكن ذلك تعثّراً تفاوضياً ولا اختلافاً حول تفاصيل، بل قراراً واعياً بإدامة الحرب، قراراً له دوافعه العميقة التي يعرفها الجميع، وإن حاول أصحابها إنكارها.
توالت المبادرات، من الإقليم إلى المجتمع الدولي. مبادرة الرباعية الدولية طرحت وقفاً لإطلاق النار، هدنة إنسانية، ومساراً سياسياً يقود إلى حكومة مدنية. كانت فرصة نادرة في حربٍ استنزفت كل شيء. لكن البرهان رفض، لا لأن المبادرة ناقصة، بل لأن السلام الذي لا يُعيد إنتاج السلطة القديمة لم يكن مقبولاً لديه ولا لدى القوى التي تقف خلفه.
الجميع يعلم، بلا استثناء، أن أحد الأسباب الجوهرية لرفض البرهان للسلام هو الرفض القاطع لأي مسار سياسي يُقصي النظام البائد وحزب المؤتمر الوطني من أي حكومة مستقبلية. السلام الحقيقي، كما طُرح في كل المبادرات، يعني نهاية الوصاية العسكرية على السياسة، ويعني إغلاق الباب نهائياً أمام عودة المؤتمر الوطني عبر النوافذ الخلفية. وهذا بالضبط ما لم يكن مقبولاً لدى تحالف المصالح الذي يرى في الحرب فرصة ذهبية للعودة إلى المشهد تحت غطاء “الدفاع عن الدولة”.
لهذا جاء الرفض، ولهذا جاءت المماطلة. مرةً بحجة السيادة، ومرةً بذريعة حل الدعم السريع ، ومرةً بعدم “جاهزية الظروف”. وفي كل مرة، كانت الحقيقة واحدة: أي سلام لا يُعيد المؤتمر الوطني إلى السلطة، ولا يمنحه موطئ قدم في مستقبل السودان، هو سلام مرفوض. وهكذا تحوّلت الحرب من مأساة وطنية إلى أداة سياسية لإعادة تدوير النظام البائد.
حتى شرط تفكيك الدعم السريع قبل أي تفاوض لم يكن سوى ورقة تعطيل. شرط يُرفع في العلن، بينما في الخفاء تُدار الحرب بطريقة تضمن استمرار الفوضى، وتُبقي البلاد رهينة لمعادلة السلاح والولاءات القديمة. وعندما دُعي إلى قمة إيغاد، رفض البرهان الحضور، لا لأن القمة بلا جدوى، بل لأنها كانت جزءاً من مسار يُفضي إلى حل سياسي لا مكان فيه للإسلاميين الذين أشعلوا الحروب وقادوا البلاد إلى الانهيار.
في هذه المعادلة، يدفع الشعب السوداني الثمن من معاناة وتشريد و، اقتصاد ينهار، وجيل كامل يُضحّى به من أجل مشروع سلطة مهترئ. كل يوم تستمر فيه الحرب هو يوم إضافي يُمنح فيه النظام البائد فرصة للعودة، ويُسحب فيه الأمل من يد المواطنين.
التاريخ سيكتب أن هذه الحرب لم تستمر لأن السلام مستحيل، بل لأن السلام كان مرفوضاً من قِبل من يخشون فقدان نفوذهم. سيكتب أن السودان لم يُهزم في الميدان، بل خُذل في القرار، وأن إطالة الحرب كانت خيانة متعمدة لوطنٍ أُنهك، وشعبٍ تُرك بلا حماية ولا أفق.
السلام ليس ضعفاً، بل شجاعة سياسية. أما الإصرار على الحرب، فهو إعلان صريح بأن الوطن أصبح رهينة لمصالح النظام البائد وأدواته. وفي هذه اللحظة الفارقة من تاريخ السودان، سيبقى اسم البرهان مرتبطاً بخيار رفض السلام، وبالخيانة الكبرى التي دفعت البلاد إلى الخراب، وأغرقت شعبها في حرب بلا أفق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.