انكشف كذب الإخوان المسلمين وسقطت الشجرة الخبيثة

 انكشف كذب الإخوان المسلمين وسقطت الشجرة الخبيثة

 

حسن عبد الرضي

في تاريخ الأفكار لا تُقاس صدقية الدعوات بما ترفعه من شعارات، بل بما تصمد به أمام محكّ الزمن. وبعض الكلمات تُقال في لحظتها فتبدو كأنها ضرب من التنبؤ البعيد، ثم لا تلبث أن تتحول ـ مع تعاقب السنوات ـ إلى شهادة إدانة مكتملة الأركان.
هكذا بالضبط تبدو اليوم نبوءة الإخوان الجمهوريين عن جماعة الإخوان المسلمين، كما صاغها، كثيرا، الأستاذ محمود، وكما وثّقها الجمهوريون في كتيبهم الشهير الصادر عام ١٩٧٩: «الكذب وتحري الكذب عند الإخوان المسلمين».
لم يكن حديث الجمهوريين عن كذب الإخوان المسلمين شتيمة سياسية عابرة، ولا خصومة أيديولوجية سطحية، بل كان تشخيصًا أخلاقيًا وفكريًا عميقًا لظاهرة كاملة: ظاهرة تحويل الدين إلى أداة للتمكين، وتحويل الدعوة إلى ستار للكذب المنهجي، وتحويل الإسلام من رسالة تحرير إلى وسيلة قهر وخداع.
لذلك جاء حكمهم قاسيًا، واضحًا، ومباشرًا، لا لبس فيه ولا مواربة.
يقول الجمهوريون في مقدمة ذلك الكتيب، قبل ما يقارب نصف قرن:
«…
ولسوف نصرّ على المنابر الحرة، حتى تُقتلع هذه الشجرة الخبيثة من تراب أرضنا الطاهرة بإذن الله… ذلك بأن خيانة الإخوان المسلمين، وكذبهم، وسوء خلقهم، وقلة دينهم، ستتضح لشعبنا بصورة جلية، عمّا قريب…»
هذه الكلمات، التي بدت آنذاك صادمة لكثيرين، صارت اليوم أقرب إلى تقرير وقائع لا يحتاج إلى برهان. فقد انكشف الكذب، لا بوصفه خطأً عارضًا، بل كمنهج متكامل: كذب في الشعارات، كذب في الوعود، كذب في الخطاب الديني، وكذب في الادعاء بأنهم حماة الإسلام، بينما كانت أفعالهم أبلغ تشويه له.
حديث الأستاذ محمود عن اقتلاع جماعة الإخوان المسلمين من أرض السودان في «السوْفات السبعة» لم يكن دعوة إلى عنف، بل كان توصيفًا لقانون أخلاقي وتاريخي: أن الباطل، مهما طال أمده، لا بد أن يسقط، وأن الكذب لا يمكن أن يؤسس دولة ولا مجتمعًا ولا دعوة.
السوفات هنا ليست سيوفًا مادية، بل سيوف الحقيقة، والوعي، والتجربة، وانكشاف الزيف أمام الناس.
وقد جاء الزمن، بكل قسوته، ليمنح هذه النبوءة معناها الكامل. فالإخوان المسلمون، الذين ادّعوا الطهر، تركوا خلفهم دولة منهارة، مجتمعًا ممزقًا، حربًا أهلية، وفسادًا مؤسسيًا لم يشهد السودان له مثيلًا.
لم يعد كذبهم محتاجًا إلى فضح من خصومهم؛ لقد صار فاضحًا بنفسه، متجسدًا في الواقع اليومي، وفي معاناة الناس، وفي الخراب الذي عمّ البلاد.
إن أعظم ما في موقف الجمهوريين أنهم لم يكتفوا برفض الإخوان المسلمين سياسيًا، بل سعوا إلى عزلهم دينيًا، كما ورد صراحة في النص:
«
سيتم العزل التام – عزل الإخوان المسلمين عن هذه الدعوة الدينية التى يتشدقون بها – وسيُطهَّر الإسلام مما يلصقونه به من تشويه…»
وهذا هو جوهر المعركة: معركة إنقاذ الإسلام من الذين اتخذوه مطية للسلطة، لا معركة سلطة ضد سلطة.
اليوم، وبعد كل ما جرى، يبدو واضحًا أن الجمهوريين كانوا طلائع ورواد تغيير بحق، لا لأنهم امتلكوا قوة تنظيمية أو سطوة سياسية، بل لأنهم امتلكوا بصيرة أخلاقية، وجرأة في قول الحقيقة في زمن الخوف، وثقة في أن وعي الشعب، مهما تأخر، لا بد أن يصحو.
لقد سقط القناع، وانكشف الكذب، وبدأ العزل الذي تحدث عنه الأستاذ محمود قبل عقود.
وما تبقى هو أن يستكمل الشعب السوداني معركته الكبرى: معركة تحرير الدين من الاستغلال، وتحرير الدولة من الكذب، وتحرير الإنسان من الخوف.
وحينها فقط، يتأكد للجميع أن تلك الكلمات التي كُتبت في نهاية السبعينات لم تكن نبوءة غيبية، بل قراءة عميقة لمسار الباطل، ونهاية محتومة للكذب، مهما تلحف بعباءة الدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.