حين يفشل الاستنفار… تُستدعى الطفولة إلى ساحات الحرب

تدريب التلاميذ ليس وطنية بل إعلان إفلاس أخلاقي وتربوي

 حين يفشل الاستنفار… تُستدعى الطفولة إلى ساحات الحرب

تدريب التلاميذ ليس وطنية بل إعلان إفلاس أخلاقي وتربوي

 

حسن عبد الرضى الشيخ

 

عندما تفشل الدولة في إقناع الرجال بحربها، وتنهار دعاوى “الاستنفار” أمام وعي الناس وخبرتهم بالخراب، لا يبقى أمام سلطة مأزومة سوى الهروب إلى الحلقة الأضعف: الأطفال.

وهذا بالضبط ما تكشفه فضيحة إدخال “منشط التدريب العسكري (الكديت)” إلى المدارس الابتدائية والمتوسطة بمحلية شرق النيل، تحت لافتة الانضباط والروح الوطنية، وبالتنسيق مع جهاز المخابرات وفيلق البراؤون.

لنسمِّ الأشياء بأسمائها:
هذا ليس نشاطاً مدرسياً، وليس “تعزيزاً للقيم”، بل اعتراف صريح بفشل الاستنفار الشعبي، وانكسار خطاب التعبئة، وسقوط الهيبة السياسية والأخلاقية لمن يديرون هذه الحرب العبثية.

فالدولة التي تحترم نفسها تحمي التعليم من العسكرة، وتحمي الأطفال من الاستغلال، وتفصل المدرسة عن الثكنة، لا أن تجرّ الثكنة إلى الفصل.

إن دعاة الحرب يدفعوننا دفعا حتى نتدحرج نحو قاع الهاوية بسرعة الافلات إذ ينقلنا نظام جماعة الاخوان المسلمين (الارهابية) من فشل الرجال في معركة اللاكرامة إلى استباحة الطفولة.

فحين يُقال لنا إن تدريب التلاميذ “لا يخلّ بالعملية التعليمية”، فذلك استخفاف بالعقول. أي عملية تعليمية تبقى حين تُستبدل الحصة بالتحية العسكرية؟ وأي وطنية تُبنى حين يُدرَّب طفل على الطاعة العمياء بدل التفكير، وعلى الهتاف بدل السؤال؟

إنها، بلا شك، إعادة إنتاج قسرية لتجارب بغيضة يعرفها السودانيون جيداً، خاصة من ذاق علقم الخدمة الإلزامية سيئة الذكر، والدفاع الشعبي الذي حوّل المدارس والمساجد إلى مخازن تعبئة أيديولوجية، وانتهى بآلاف الضحايا ووطن ممزق.

اليوم، يعود المشهد بوقاحة أكبر: أطفال في الابتدائي والمتوسط، تحت إشراف أجهزة أمنية، في زمن حرب، وبخطاب “التحديات الأمنية”. كأن التعليم ترف مؤجل، وكأن المعلم مجرد مُلقّن قابل للاستبدال بعريف. إن ذلك إهانة للتعليم واحتقار للمعلمين.

وهذا القرار يحمل في جوهره احتقاراً واضحاً للتعليم والمعلمين. فبدلاً من معالجة انهيار المدارس، ونقص المعلمين، وانقطاع المرتبات، وتشريد الأسر، يأتي الردّ بعسكرة المدرسة. وكأن المطلوب من المعلم أن يتحول إلى مساعد مدرّب، ومن المنهج إلى نشرة تعبئة.

إنها رسالة، وأي رسالة هذه التي تُرسل للأسرة السودانية؟ رسالة واحدة هي أن اخضعوا. اقبلوا بأن يُزجّ بأطفالكم في معمعة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. اقبلوا بأن تُشوَّه المدرسة باسم الوطنية. اقبلوا بأن تُعاد هندسة الطفولة على مقاس الحرب.

هل هي “الروح الوطنية” كما يزعم المستهبلون، أم صناعة القطيع؟ فالوطنية لا تُزرع بالبندقية الخشبية ولا بالزي المموّه، بل بالعدالة، وبالسلام، وبمدرسة آمنة تُعلّم الطفل كيف يفكر لا كيف يُؤمَر.

الوطنية التي تُصنَع عبر جهاز المخابرات ليست وطنية، بل تدجين. والانتماء الذي يُفرض بالقوة ليس انتماء، بل خوف.

إن إشراك جهاز المخابرات وفيلق البراؤون في “نشاط مدرسي” ليس تفصيلاً إدارياً، بل قرينة إدانة. فهو يفضح الهدف الحقيقي: سدّ فراغ الفشل في الجبهات بتعبئة مبكرة، وصناعة أجيال مطواعة، تُستدعى غداً إلى حرب لم تختَرها.

والخلاصة: إن ما يحدث في شرق النيل ليس “تحولاً في مسار الأنشطة المدرسية”، بل انحدار خطير في مسار الدولة نفسها. دولة تعجز عن إقناع شعبها، فتُكره أطفاله. دولة تفشل في حماية التعليم، فتُدنّسه. دولة تخسر الحرب أخلاقياً، قبل أن تخسرها عسكرياً.

الله لا بارك في الكيزان، ولا في جماعة الإخوان المسلمين و”البلابسة” واعلام الفلول المهزوم الذين لا يرون في المدرسة إلا معسكراً، ولا في الطفل إلا مشروع وقود.

وسيكتب التاريخ أن هذه الحرب، حين أفلس خطابها، مدّت يدها إلى الطفولة… فكانت تلك إحدى أبشع هزائمها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.