واشنطن .. الإخوان منظمة إرهابية: قراءة في الفرصة التاريخية أمام السودان والمنطقة
واشنطن .. الإخوان منظمة إرهابية: قراءة في الفرصة التاريخية أمام السودان والمنطقة
د. التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير علاقات دولية
أعاد إقرار لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي لمشروع قانون يصنّف جماعة الإخوان المسلمين وفروعها كـ«منظمة إرهابية» فتح نقاش واسع حول مستقبل هذه الجماعة في الإقليم، وحول الفرص التي يمكن أن تتيحها هذه الخطوة لدول مثل السودان، التي دفعت ثمناً باهظاً لتمكين الإخوان وسيطرتهم على مفاصل الدولة لعقود.
هذه الخطوة، وإن كانت حتى الآن في إطار المسار التشريعي الأمريكي، إلا أنها تحمل دلالات عميقة على مستوى تغيّر النظرة الدولية للجماعة، من حركة سياسية–دعوية إلى شبكة أيديولوجية عابرة للحدود، ارتبط اسمها بالعنف وعدم الاستقرار في أكثر من ساحة عربية.
—
أولاً: الحركة الاسلامية في السودان… نموذج حكم أنتجت الأزمة ثم حاولت التنصل منها
منذ استيلاء الإسلاميين على السلطة في السودان في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تكرّس نموذج حكم قائم على التمكين الأيديولوجي لا على بناء دولة المواطنة والمؤسسات. فقد أُعيد تشكيل الدولة وفق مصالح الجماعة، لا وفق احتياجات المجتمع:
أُضعِفت الخدمة المدنية لصالح شبكات الولاء الحزبي.
أُخضعت الأجهزة الأمنية والعسكرية لمعادلات التوازن داخل التيار الإسلامي نفسه.
جرى تفكيك النقابات ومنظمات المجتمع المدني المستقلة واستبدالها بأذرع تابعة للجماعة.
تم توظيف الخطاب الديني لتبرير القمع، ووصم الخصوم بالخيانة أو الكفر أو العمالة.
بهذا المعنى، لم تكن تجربة الإخوان في السودان مجرد تجربة حكم فاشلة، بل منظومة كاملة لتفكيك الدولة من الداخل، عبر نقل مركز الثقل من المؤسسات إلى التنظيم الحزبي–الحركي.
ومع توالي الكوارث – من الحروب الأهلية، إلى الانهيار الاقتصادي، إلى العزلة الدولية – ظل الخطاب الإعلامي للجماعة يسعى إلى تحميل المسؤولية لأطراف أخرى، متجاهلاً حقيقة أن القرار الحقيقي كان وما يزال يدور في فلك التنظيم وشبكاته المتغلغلة في الاقتصاد والأمن والسياسة.
—
ثانياً: من التمكين إلى تغذية الحرب الحالية
اندلاع الحرب الراهنة في السودان لم يكن حدثاً منفصلاً عن هذا التاريخ، بل هو أحد نتائجه المباشرة. فالتشظي داخل المؤسسات العسكرية، ووجود مراكز قوى متنافسة، وغياب مشروع وطني جامع، كلها مخرجات طبيعية لعقود من حكم الجماعة.
ومع تطور الصراع، ظهرت مؤشرات على استمرار دور التيارات المرتبطة بالإخوان في:
تأجيج خطاب الكراهية والاستقطاب الحاد بين المكونات المجتمعية والسياسية.
محاولة إعادة تدوير أنفسهم كـ«حماة للدولة» في مواجهة خصومهم، رغم أنهم أسهموا أساساً في إضعافها.
استخدام شبكاتهم الإعلامية والمالية لإطالة أمد الحرب، رهاناً على إعادة إنتاج نفوذهم من تحت الرماد.
من هنا تأتي حساسية التوقيت الذي يشهد فيه الكونغرس الأمريكي تحركاً لتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية؛ فالسودان ليس مجرد ساحة من ساحات نفوذ الإخوان، بل هو واحدة من أكثر الدول التي تحوّلت فيها تجربتهم من مشروع أيديولوجي إلى كارثة دولة ومجتمع.
—
ثالثاً: ما الذي يعنيه التصنيف الأمريكي عملياً للسودان؟
إذا اكتمل المسار التشريعي واعتمد القانون بشكل نهائي، فإن أثره لن يكون رمزياً فحسب، بل سيلامس جوانب عملية يمكن للسودان أن يستفيد منها، إذا أحسن إدارة اللحظة:
- تجفيف التمويل والشبكات العابرة للحدود
سيُصعّب التصنيف حركة الأموال العابرة لدول المنطقة، والتي كثيراً ما استُخدمت لدعم واجهات اقتصادية أو إعلامية أو خيرية تحمل طابعاً «مدنياً» لكنها تؤدي وظائف سياسية وأمنية لصالح الجماعة. بالنسبة للسودان، قد يعني هذا تضييقاً على قنوات تمويل أنشطة تهدف إلى إعادة تموضع الإخوان في المشهد. - إعادة ترتيب الأولويات في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية
من شأن الخطوة أن تدفع الأطراف الدولية إلى التعامل بجدية أكبر مع دور الإسلاميين في إنتاج واستدامة الصراع، بدلاً من اختزال الأزمة في نزاع بين جنرالين أو قوتين عسكريتين فقط. هذا التغيير في زاوية النظر يمكن أن يفتح الباب أمام مقاربة أكثر شمولاً تأخذ في الاعتبار البنية الأيديولوجية والسياسية التي صنعت الحرب. - دعم مسار العدالة والمساءلة
وجود جماعة مصنّفة كمنظمة إرهابية على رأس شبكات الحكم السابق يوفر أساساً قانونياً وسياسياً أمتن للمطالبة بملاحقة من تورطوا في جرائم فساد كبرى، أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو في تعبئة وتحريض أفضى إلى العنف الواسع ضد المدنيين. - إعادة تعريف الحلفاء والخصوم إقليمياً
تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً من قبل قوة دولية كبرى سيدفع عدداً من الدول الإقليمية إلى مراجعة مواقفها؛ فمن الصعب الاستمرار في التعامل معهم كـ«شركاء سياسيين شرعيين» بينما يتم التعامل معهم دولياً كجزء من مشكلة التطرف وعدم الاستقرار. وهذا يصب في مصلحة بلد مثل السودان يسعى للخروج من دائرة الصراع المزمن.
—
رابعاً: التحديات والحدود… ما الذي لا يكفي فيه التصنيف وحده؟
مع كل الأهمية التي تنطوي عليها الخطوة الأمريكية، يبقى من الضروري إدراك حدودها، حتى لا تتحول إلى وهم حلّ سحري:
التصنيف لا يعوّض عن الحاجة إلى مشروع وطني سوداني يعالج جذور الأزمة: سؤال الهوية، وتقاسم السلطة والثروة، وبناء مؤسسات مهنية غير مؤدلجة.
الجماعة تمتلك خبرة طويلة في تغيير الواجهات والأسماء، والاندماج في كيانات أوسع أو أكثر غموضاً، ما يعني أن المواجهة معها تحتاج إلى وعي سياسي وقانوني عميق، لا إلى شعارات فقط.
استمرار هشاشة الدولة السودانية قد يتيح للجماعة إعادة التموضع عبر واجهات محلية أو إقليمية، إذا لم تترافق الخطوة الدولية مع إصلاحات داخلية حقيقية.
لذلك، يمكن القول إن التصنيف يمثل فرصة، وليس ضمانة؛ أداة يمكن أن تدعم جهود السودانيين، لكنها لا يمكن أن تحل محل إرادتهم الجمعية في بناء دولة جديدة.
—
خامساً: نحو مقاربة دولية جديدة لمكافحة التطرف في السودان
القيمة الأهم في مثل هذا التشريع لا تتعلق بالسودان وحده، بل بما يرمز إليه من تحول في فهم ظاهرة الإسلام السياسي المتطرف. فبدلاً من التعامل مع الجماعة كقوة سياسية «محافظة» يمكن احتواؤها، بدأ يتكرس إدراك بأن:
الجمع بين الخطاب الديني الشمولي والعمل الحزبي والتنظيم السري يولّد بيئة خصبة للعنف، حتى عندما لا يُعلن ذلك صراحة.
انتشار فروع الجماعة في أكثر من بلد يسهّل تدوير الكوادر والموارد، ويجعل من كل ساحة أداة لخدمة أجندة أوسع من حدودها الوطنية.
التسامح مع هذه البُنى بحجة أنها «جزء من التعددية السياسية» ساهم في حماية شبكاتها، بينما كان الضحايا الحقيقيون هم المجتمعات التي تعيش تحت وطأة الاستقطاب والفساد والعنف.
في السودان، يمكن أن يشكل هذا التحول الدولي رافعة سياسية وأخلاقية لقوى مدنية جديدة تتطلع لبناء دولة تقوم على:
فصل واضح بين الدين والعمل الحزبي.
مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية لا تخضع لأجندات أيديولوجية.
عقد اجتماعي يضع مصلحة المواطن فوق أي مشروع تنظيمي أو عابر للحدود.
—
خاتمة: نافذة أمل لا بدّ من التقاطها
الخطوة الأمريكية المرتقبة لتصنيف الإخوان منظمة إرهابية ليست مجرد تفصيل في سجال دولي حول الجماعات المتطرفة، بل هي فرصة تاريخية لدول مثل السودان كي تعيد النظر في مسار طويل من التلاعب بالدين، وتسييس المؤسسات، واحتكار الحقيقة باسم مشروع أيديولوجي أثبت فشله.
إذا أحسن السودانيون – قوى سياسية ومدنية ومجتمعية – استثمار هذه اللحظة، يمكن أن تتحول من مجرد إجراء قانوني في دولة أخرى إلى نقطة تحوّل داخلية تعيد رسم المشهد السياسي والأمني، وتقرّب البلاد من مستقبل تُقدّم فيه مصلحة الشعب، وحقه في السلام والعدالة والكرامة، على حساب أي جماعة تسعى لفرض هيمنتها بالعنف أو بالتمكين الأيديولوجي.