في ذكر بابنوسة القميرة: إن الثورة تولد من رحم الأحزان

 

 في ذكر بابنوسة القميرة: إن الثورة تولد من رحم الأحزان

 

ابراهيم مطر

 

كان آخر عهدي ببابنوسة “القميرة”، أن وصلتها ذات صيف، نواحي العام “2006”، وكنت محملاً حينها بذكريات صنعتها القصص والحكايات القديمة، والتي حفظت طفولتي معظمها، من كثرة التكرار.

 

كان بصيص من ذكريات، ومحاولة لا إرادية لمطابقة ما أرى، بما قر في ذهني من صور متخيلة للمدينة وللناس. كنت أعجز عن تخيل الألوان فأجد “بابنوسة” في طفولتي “غبشاء”، وتكاد تخلو من ميزة اختلاف الألوان، بكل ما تمنح العين من جمال. لم أكن أعتقد أني سأزورها يوماً، لكن صورتها التي صنعها الخيال في تلك السنوات البعيدة،. كانت جميلة على غموضها.

 

(ومن هنا بارحت دار أهلي/ لكي أزور صاحبي بن الفضل/ ألفيته والأهل قد رحلوا/ من “كيلك” وفي الفضاء نزلوا/ في بقعة تسمى بابنوسة/ حيث اتقوا ذبابة تعيسة). قصيدة تقفز للذاكرة من خزانة العام “1986”، ونحن في الطريق إلى المدينة، كانت القصيدة تخبر عن حكمة قديمة متوارثة لأهل الديار، وتعيد إلى في الوقت نفسه، ملمحاً من ملامح ذلك الزمان الأليف. كان استاذ الجغرافيا يحكي عن زيارة خيالية للمدينة، وكان بارعاً للحد الذي أقنعنا فيه بأننا نتجول في شوارع القميرة، ونأكل من فومها وعدسها وبصلها، رحمه الله رحمة واسعة، وأكرم نزله.

 

لكننا جئناها هاربين هذه المرة، وبعد عشرين عاماً بالتمام والكمال من تلك الذكرى، بسبب ما تردد من أنباء عن هجوم وشيك من قبل “التورابورا”، على مدينة قريبة من “القميرة” حيث كنا نعمل. و”التورابورا” كلمة كانت تنعت بها حركات مسلحة من إقليم دارفور، نفذت عدداً من الهجمات العسكرية الخاطفة على المدن، كان منها “اللعيت جار النبي” و”غبيش”، مع تحذير مُعلن باجتياح عدد من المدن الصغيرة المجاورة.

 

أرسل “التورابورا” رسالة مختصرة و”متحدية”، مضمونها “استعدوا فنحن قادمون”. وهكذا وصلنا لبابنوسة، لتشغلني المدينة عن كل ما يدور حولها من أخبار – لا يمكن التأكد من صحتها – عن حروب “صغيرة”، وقصص تحكي عن أهوال حدثت في أماكن قريبة، وعقدت العزم على زيارة مصنع الألبان في أول يوم لي بالمدينة.

 

وهأنذا اتحسس الذكريات في طريقي للمصنع. كانت أختزن قصصاً عن “حي الجلابة”، وهيئة “السكة حديد” التي أتذكر ما كان يروى عنها بوضوح معقول، لكن مصنع ألبان بابنوسة والذي يكني اختصاراً بـ”المصنع”، كان قد نال النصيب الأكبر من تلك الحكايات. وجدته لا يزال يقف متحدياً مرور الحقب والعهود في شموخ مثير للإعجاب. استقبلني حارساً المبنى ببشاشة شجعتني على طلب التجول داخل المصنع. ولما كان “مغلقاً”، فقد اكتفيت بالتجول داخل الفناء، محاولاً النظر من النوافذ المنخفضة، للداخل.

 

كان أكثر ما لفت نظري هو تلك الحالة الجيدة التي وجدت عليها ما استطاعت عيني بلوغه من محتويات. كانت الماكينات الكبيرة “شبه جديدة”، وآخذة في اللمعان بفعل الضوء المتسرب من النوافذ الصغيرة، ولا تستطيع إلا أن تتعجب من مصنع شيد في سبعينات القرن الماضي، يبدو في العام 2006، وكأنه شيد بالأمس القريب.

 

وفي الخارج كانت بيوت الموظفين بتصميمها البسيط، وأشجار “الجهنمية” التي تطل بفروعها وأزهارها الحمراء من وراء الأسوار. كانت البيوت فارغة، لكن عيناً فاحصة، كانت  قادرة على قراءة التاريخ من شكل المكان.

 

في بابنوسة “سوما” صاحبة المقهى الصغير في السوق الكبير. كانت طيبة المعشر، وهبها الله محبة الناس، فهم لا يزالون يترددون عليها كلما مر أحدهم بالسوق. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فالمحبة ليست “مجرمة” في “بابنوسة”، ولا هي خاضعة لمحاكم تفتيش النوايا، بل هي مبرأة من كل تهمة وسوء ظن، أو هكذا وجدتها في ذلك الحين.

 

واليوم تشهد المدينة أكبر اختباراتها على مدى التاريخ المنظور بفعل الحرب، نقص في الأنفس والثمرات، وخلو من السكان مع وعد بالتعافي يصنعه الأمل. انخرط عدد من أبناء غرب كردفان في مبادرات طوعية تتعلق بإيصال المساعدات، وسط الحاجة المتزايدة للنازحين والمواطنين، وتزايدت المآتم والأحزان على أهل تلك الديار الذين قسمتهم الحرب، وكانوا أكثر المتضررين من ويلاتها. فهل تقوى “القميرة” بعد كل هذا الحزن على النهوض من جديد؟

 

قال نزار قباني في مناجاة “بيروت” الجريحة بفعل الحرب الأهلية اللبنانية ذات حسرة ممزوجة بالرجاء: (قومي من تحت الردم/ كزهرة لوز في نيسان/ قومي من حزنك قومي/ إن الثورة تولد من رحم الأحزان).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.