الحركة الإسلامية: عصابة الخراب التي اغتالت الوطن باسم الله
الحركة الإسلامية: عصابة الخراب التي اغتالت الوطن باسم الله
م. معاوية ماجد
ليس هناك شعبٌ وُلد ليكون فقيرًا، ولا أمةٌ خُلِقت لتكون منكوبة، ولا طفلٌ كُتب عليه أن يُدفن قبل أن يتعلّم اسمه. المأساة لا تقيم في الجغرافيا، بل في العقول التي تحكمها، وفي الأيدي التي تنهبها، وفي الخطاب الذي يُشرعن الجريمة باسم العقيدة والوطن والمؤامرة.
في دول العالم الأول، لا تحتاج إلى صراخ أيديولوجي لتنال حقك، ولا إلى وعظٍ يومي كي تبقى على قيد الكرامة. هناك، الدولة تعمل. هذه هي العقيدة الحقيقية. الحكومة لا تخطب في شعبها بل تخدمه، لا تتّهمه بالخيانة بل تحميه من الجوع، لا تملأ رأسه بالكراهية بل تبنيه بالمعرفة. لا تتزيّن بالشعارات بل تُقاس بالأثر.
هناك، الدولة تطارد المواطن بالخير مطاردة. تعتذر له إن قصّرت، وتردّ إليه ضرائبه خدماتٍ لا خطبًا: مدارس لا متاريس، مستشفيات لا مقابر، حدائق لا ثكنات. الطفل هناك مشروع وطن لا مشروع نعش. العلاج ليس منّة بل حق، والضريبة عقد شرف لا صك إذلال.
وهناك أيضًا، لا يُختطف التعليم ليُباع في سوق الجريمة المقنَّعة باسم المدارس الخاصة، ولا تُسلَّم رقاب الآباء والأمهات لعصابات الرسوم والاشتراكات والتهديد بالفصل. فبينما تحوَّل كثيرٌ من المدارس الخاصة في السودان إلى دكاكين بلا رسالة، ومسالخ تربوية بلا ضمير، ومبانٍ تفتقر إلى أبسط مقومات المدرسة الصالحة، صار التعليم فيها مقصلةً مالية تُهوِي يوميًّا على أعناق الأُسَر، مقابل مستوى بائس لا يُنقذ عقلًا، ولا يفتح أفقًا، ولا يبني إنسانًا.
تعليمٌ متدنٍّ، ومناهج مُهترئة، وبيئة طاردة، ثم يُقال لك بكل وقاحة: «ادفع… فهذا هو المستقبل». أيّ مستقبل هذا الذي يُبنى على ابتزاز الآباء واغتيال عقول الأبناء؟
ولمّا اشتعلت الحرب، لم تتوقّف الجريمة بل غيّرت عنوانها فقط؛ إذ حمل كثيرٌ من أصحاب تلك المدارس جشعهم وهاجروا به خارج الوطن، وأعادوا فتح مشاريعهم في المنافي بنفس العقلية، وبالمنهج ذاته، ولكن بعملةٍ أقسى ووقاحةٍ أعلى. لم تتبدّل الرسالة، لأنها لم تكن يومًا رسالة تعليم، بل تجارة خوف. مدارس نُقلت جغرافيًا دون أن تنتقل أخلاقيًا، ودكاكين ابتزاز أُعيد افتتاحها تحت لافتات أجنبية، وبالرسوم نفسها، وبالمناهج العرجاء ذاتها، وبالاستغلال نفسه لأبٍ هارب من القذائف وأمٍّ منهكة في المنافي.
هربوا من الحرب بأجسادهم، لكنهم اصطحبوا الحرب في سلوكهم، ونقلوا معهم ثقافة النهب إلى حيث لجؤوا، فكأنهم فتحوا فروعًا للفساد في الشتات، وكأن الوطن لم يكفهم سرقةً حتى لاحقوا أبناءه إلى المنافي.
أما هنا، في السودان، حيث ابتُلينا بحكم العصابات المتدثّرة بالآيات، فقد تحوّلت الدولة إلى فخ، والهوية إلى لعنة، والمستقبل إلى جريمة مؤجلة. هنا لا تطاردك الحكومة بالحليب، بل بالرصاص. لا توصلك بالحافلة إلى المدرسة، بل إلى القبر. لا تعيد لك ضرائبك، بل تعيدك إلى الفقر كأن الفقر سِمة خِلقة لا جريمة سلطة.
بلدٌ كان يمكن أن يكون جنة أفريقيا، فصار محرقة. بلد يطفح بالذهب ويغرق بالجوع، ينفجر فيه الفساد من الداخل، ثم يتّهم العالم بالتآمر. بلد تُنهب ثرواته باسم «المشروع الحضاري»، ثم يُدان فقراؤه بـ«قلة الصبر».
ومنذ أن تسلّطت الحركة الإسلامية على هذا الشعب، لم تعرف البلاد غير الخراب بثياب الدين، والسرقة بفتوى، والقتل ببيان، والتجويع بخطبة. لم يظهروا كتيار سياسي، بل كاجتياح. لم يزرعوا بل التهموا، ولم يبنوا دولة بل حفَروا مقبرة طويلة على هيئة مؤسسات.
ولم يقولوا إنهم يحاربون الغرب، بل زعموا أن الغرب هو من يحاربهم، وأن العالم قد «تآمر» عليهم، وأن أبواب التنمية أُغلِقت في وجوههم ظلمًا لا فشلًا، وحسدًا لا سوء إدارة. وهذه أكذوبة كبرى بحجم وطنٍ مكسور. والحقيقة التي كنَسوها تحت سجاجيد الخُطَب أنكم أنتم من أعلن العداء على العالم، لا العالم من أعلن العداء عليكم. أنتم من حوَّل البلاد إلى مأوى لكل متطرّف، ومزرعة لكل قاتل، ومطار لكل جنونٍ عابرٍ للحدود. أنتم من جمع الإرهابيين من أصقاع الأرض، وفتحتم لهم الصحراء لتكون معسكرًا، والقرى لتكون وقودًا، ثم استغربتم لماذا أُغلِقت الأبواب في وجوهكم!
أيّ دين هذا الذي يُصدّر الكراهية؟ أيّ عقيدة هذه التي تُدرّب الناس على القتل ثم تبكي من «المقاطعة الدولية»؟ أنتم لم تُحاصَروا لأنكم أتقياء، بل لأنكم خطر. ولم تُعاقَبوا لأنكم صادقون، بل لأنكم مصنع فوضى متنقّل. العالم لم يُحارب عقيدتكم… بل حارب جرائمكم.
في دول العالم الأول، المواطن يدفع الضريبة فيحصد حياة. وهنا، المواطن يدفع الضريبة فيحصد قيودًا.
هناك، الطفل يصل إلى هذا العالم ومعه حقوقه. وهنا، يصل ومعه كفنه المؤجّل.
هناك، الدولة تخاف أن يُهان المواطن. وهنا، المواطن يخاف أن يُذكَر اسمه.
الحركة الإسلامية لا تمثّل الدين، بل تمثّل أسوأ نسخة من الإنسان حين يتعمّد السقوط ويبحث عن نصٍّ يبرّره. لا تتحدث باسم الإيمان بل باسم النهب. لا تحكم بل تفترس. لم تُنشئ دولة بل عصابة متنكرة في هيئة دولة. لم تَقُد أمة بل ساقتها إلى الذبح المنهجي.
ثم يسألون بوقاحة: لماذا يهاجر الناس؟ لأن الوطن عندكم صار مصيدة. صار فخًا رسميًا تُختم فيه الأوراق وتُدفن فيه الأحلام. صار بلدًا لا ينجو فيه إلا من سرق.
أين ذهبت الضرائب؟ وأين عائدات النفط؟ وأين المشاريع؟ كلها ذهبت إلى جيوبكم، ثم صعدتم المنابر تأكلون الوطن خطبةً خطبة، وتتركون للناس فتات الكذب.
والأوقح أنكم، بعد كل هذا الخراب، ما زلتم تحلمون بالعودة. بأي وجه؟ بوجه الجوع؟ بوجه اليتامى؟ بوجه المقابر الجماعية؟ أم بوجه الوطن الذي أحرقتموه ثم تطلبون من الناس إطفاءه بالدعاء؟
لا. انتهى زمن الكذبة الكبرى. انتهى زمن تمثيل الدين. انتهى زمن بيع الوطن على الهواء.
اليوم، الشعب يعرف. يعرف أنكم لم تكونوا حُماة بل قُطّاع طريق. لم تكونوا دعاة بل سماسرة جحيم. لم تكونوا مشروع نهضة بل برنامج خراب شامل.
في دول العالم الأول، يُقاس النجاح بعدد الكتب. وعندكم، بعدد القبور.
هناك، الدولة في خدمة الأطفال. وعندكم، الأطفال في خدمة الحرب.
وهناك، حين يخطئ الحاكم يستقيل. وعندكم، حين يخطئ الحاكم… يقتل.
ستذهبون. لا لأننا نكرهكم، بل لأنكم أفرغتم في هذا الشعب كل ما فيكم من بشاعة.
ستذهبون كما تذهب العصابات، كما يُستأصل الورم، كما تُكنس القذارة من البيوت.
وإن سأل التاريخ: لماذا سقطوا؟ فسيأتيه الجواب مختصرًا بلا بلاغة:
لأنهم ظنّوا أن الوطن غنيمة… فاكتشفوا أنه قبرهم.