الإخوان المسلمون.. تخريب السودان وشماعة المؤامرة
الفرصة قد لا تتكرر أمام السودانيين في وجود رغبة إقليمية وخاصة خليجية في إنهاء الحرب فإما أن يلتقطوها ويتشبثوا بها أو أن يستمروا في لعبة التخريب الذاتي.
لا ينظر الإسلاميون عموما إلى أخطائهم ولو كانت قاصمة للظهر، ولكن تجدهم في حالة استنفار لاتهام من يختلف معهم في القليل أو الكثير بأنه عدو، وأنه يعمل على إفشال تجاربهم خدمة لأميركا وإسرائيل، ويستدعون خطاب المظلومية لإظهار أنهم دراويش لا حيلة لهم ولا قوة، مستضعفون في الأرض والأعداء يحيطون بهم من كل مكان.
إسلاميو السودان نموذج لهذه المعادلة، فمنذ “ثورة الإنقاذ” في 1989، وهم يبررون أخطاءهم القاتلة ضد السودان بالبحث عن عدو لتحميله المسؤولية. والحملة الشرسة على الإمارات هذه الأيام، هي جزء من إستراتيجية الدعاية الإخوانية طيلة 34 عاما، التي تهاجم خصوما من خلفيات شتى لتحميلهم الفشل.
لكن الواضح، هنا، أن الحركة الإسلامية التي تتمترس خلف قائد الجيش عبدالفتاح البرهان تعمل على حرف الأنظار عن أزمتها العميقة والقطيعة بينها وبين مكونات الشارع السوداني بعد إسقاط عمر البشير، فهل أن الإمارات هي من كانت وراء استعداء حكم الإنقاذ لمختلف الأعراق والطوائف والأديان، ما قاد إلى انفصال الجنوب. هل أن المؤامرة الخارجية هي التي قادت إلى هذا الانفصال ودفعت الجنوبيين إلى الاستنجاد بمجلس الكنائس العالمي ومصر والولايات المتحدة؟
لو أن الإسلاميين يقفون في لحظة صدق لتشريح تجربة الإنقاذ، من البداية، وحتى القطيعة والصراع بين المؤسس حسن الترابي والبشير، وما بعدها، وأسباب الحروب الداخلية في السودان، لوجدوا أن الأزمة فيهم هم أنفسهم وليس في نظرية المؤامرة. الأزمة في استعجال الإمساك بالسلطة ومحاولة السيطرة على مختلف الأعراق والمكونات الاجتماعية، بما في ذلك المكونات الدينية، والتعاطي مع غير المسلمين من السودانيين على أنهم أهل ذمة وفق أدبيات الجماعة، أو ما يعرف بأسلمة المجتمع وتقديم نموذج يسير على خطاه بقية الإسلاميين في المنطقة.
إن أسلمة المجتمع لم تكن سوى مجرد يافطة تختفي وراءها رغبة دفينة في التسلط والهيمنة وتذويب الخصوصيات لدى سكان الأقاليم، خصوصيات عرقية ودينية ولونية، وهي التي أسست لخطاب الاستعلاء الذي يمارسه حاليا عرب السودان ضد القوميات الأخرى وشرعنت لموجة الاغتصاب وامتهان الذات البشرية لدى الخصوم، وهو ما تجلى في الحرب الجارية حاليا.
لقد أسس النظام “الإسلامي” أذرعا من خارج الدولة لفرض الأسلمة بالقوة، بعض تلك الأذرع تمثلها ميليشيات الحركة الإسلامية، والبعض الآخر والأبرز يتمثل في الجنجويد، وهي ميليشيا عربية تم إطلاق يدها ضد الخصوم السياسيين تحت عناوين عرقية ودينية ولونية قبل أن تتحول لاحقا إلى لعنة ضد الإسلاميين أنفسهم بعد أن غيرت اسمها إلى قوات الدعم السريع.
لقد أوجد الإسلاميون الميليشيا الموازية، وهي نتاج سياساتهم فكريا وسياسيا وأمنيا، وكان هدفها ترهيب المكونات السودانية المعارضة للأسلمة، فإذا بها تتحول إلى عصا غليظة في وجوههم.
وقد تعاملت الحركة الإسلامية خلال حكم الإنقاذ بأثوابه المتعددة بعقلية الغلبة لا المشاركة، وأدت هذه السياسات إلى تآكل الهوية السودانية الجامعة وانهيار الثقة بين المكونات، فاشتعلت الصراعات وظهرت الحركات المسلحة بخلفيات مناطقية وعرقية، وفتحت الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية.
وبدل الاحتجاج على دور الإمارات في السودان، كان أولى بالحركة الإسلامية، قيادة الظل التي تتحكم بالبرهان، أن تسأل نفسها: من فتح الباب أمام التدخلات الخارجية واستثمر فيها لخلط الأوراق؟
منذ حكم البشير، ثم خليفته البرهان، سعى الإسلاميون إلى اللعب على المتناقضات الخارجية واسترضاء قوى متنافسة لدخول السودان وعقد اتفاقيات يسودها التعارض والتناقض مثل عرض استضافة قاعدة عسكرية بحرية في سواكن على تركيا وروسيا وإيران، كما لم يمانع النظام الإسلامي في الانفتاح على إسرائيل ودخول قائمة الاتفاقيات الإبراهيمية، وبين فترة وفترة ينتقل من محور إلى محور، مرة مع تركيا وقطر، وثانية مع مصر، وثالثة مع السعودية. كما أن علاقاته متوترة مع محيطه الأفريقي، وهو ما يفسر التوترات المستمرة مع تشاد وأثيوبيا وإريتريا وليبيا.
وقادت هذه المواقف المتعارضة إلى عزلة خارجية خاصة مع الولايات المتحدة وارتباط هذا التوتر بملف الإرهاب وما رافقه من عقوبات ما تزال سيفا مسلطا على رقبة السودانيين رغم القرار برفعها، ومرد الخوف من عودة هذه العقوبات أن الإسلاميين على استعداد لتخريب كل شيء مقابل تأمين بقائهم في السلطة. من ذلك تخريب كل المساعي الدولية للتوصل إلى حل وإفشال مختلف الوساطات، السعودية والأميركية والمصرية والأفريقية، وإرباكها بالشروط المسبقة والتعقيدات وافتعال الأزمات، مثلما الحال في موقف حكومة بورتسودان من المبادرة الأميركية المدعومة من الرباعية.
بكل بساطة، الهجوم على الإمارات هو ستارة لرفض هذه المبادرة. وبدلا من رفض معلن، بحث البرهان والمحيطون به عن صيغة التفافية بالهجوم على الإمارات وتحميلها مسؤولية التصعيد في الحرب وتسليح قوات الدعم السريع، وهو مبرر ساذج.
لو أن البرهان جنح للسلم، بعد أن بات متيقنا بأن الحسم العسكري أمر مستحيل، لوجد الإمارات وغيرها من الدول، وخاصة السعودية، جاهزة ومتحمسة لإنجاح مسار الحوار السوداني وبناء مصالحة تنهي الحرب الممتدة لعقود في بلد يحمل مقومات كبيرة ليكون محورا إقليميا للتنمية بما حباه الله من خيرات طبيعية.
في تموز – يوليو من العام 2024، أكد رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان خلال اتصال هاتفي مع البرهان “حرص دولة الإمارات على دعم جميع الحلول والمبادرات الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الأزمة في السودان الشقيق بما يسهم في تعزيز استقراره وأمنه ويحقق تطلعات شعبه إلى التنمية والرخاء”.
وهذا دليل واضح على أن الإمارات مع السلام في السودان، ومع مصالحة سريعة وعاجلة تنهي الفوضى، وأنها على استعداد للمساعدة ليس فقط في إنجاح مساعي الحوار، ولكن، والأهم، مساعدة البلد ماليا واستثماريا على تجاوز المحنة والنظر إلى المستقبل بتفاؤل.
صار للإمارات حضور استثماري ودبلوماسي قوي في أفريقيا، وصارت كلمتها مسموعة، وسبق لها أن نجحت في إنهاء صراع تاريخي طويل الأمد بين إثيوبيا وإريتريا، ولن يصعب عليها التأثير في مسار إنهاء الصراع في السودان إذا وجدت استعدادا من الفاعلين من طرفي الحرب الرئيسيين، أي الجيش وقوات الدعم السريع، وإذا رغب السودانيون في إنهاء لعبة المغالبة وقبلوا بالالتفات إلى الحقيقة واستثمروا هذه الفرصة.
لكن المشكلة في الطرف المقابل، أي الحركة الإسلامية، التي تتعمد دائما الهروب إلى الأمام، وصناعة أعداء وهميين حتى
تعيق السلام وبناء مؤسسات يمكن أن تفتح التحقيق عن الماضي وآلامه وتحمّل كل طرف مسؤولياته من الجيش والدعم السريع وبقية الأطراف التي كانت في الحكم منذ حكم الإنقاذ في 1989 وصولا إلى مرحلة ما بعد سقوط البشير وتفاهمات السلام الهش ومن بدّدها لأجل أجندات داخلية أو خارجية.
الفرصة قد لا تتكرر أمام السودانيين في وجود رغبة إقليمية، وخاصة خليجية، في إنهاء الحرب، فإما أن يلتقطوها ويتشبثوا بها أو أن يستمروا في لعبة التخريب الذاتي، لكن من دون أن يجدوا مبررا لشماعة المؤامرة والمظلومية.
مختار الدبابي
كاتب وصحافي تونسي
العرب