الدولة العميقة وصناعة التضليل… لحظة سقوط المشروع القديم وبزوغ الجمهورية الثانية
الدولة العميقة وصناعة التضليل… لحظة سقوط المشروع القديم وبزوغ الجمهورية الثانية
بقلم: الباشا محمد الباشا طبيق
الأحد 16 نوفمبر 2025
من يتأمل مسار الدولة السودانية منذ الاستقلال يكتشف أن الأزمة الراهنة ليست حدثاً طارئاً ولا نتيجة خلاف سياسي عابر، بل هي حصيلة تراكُم تاريخي لخلل بنيوي عميق في بنية الدولة نفسها. فمنذ عقود طويلة رسخت نُخَب سياسية واجتماعية محددة مفهوم الدولة العميقة التي أحكمت قبضتها على مفاصل الدولة، ووجّهت مؤسساتها لخدمة أجندة ضيقة ذات طابع إقصائي وعنصري.
ورغم أن هذه النخبة ظلت تسوّق نفسها كحارسة “لوحدة الدولة”، إلا أنها في حقيقة الأمر صنعت نموذجاً سلطوياً مغلقاً، اعتبرت فيه كل مخالِف لنهجها عنصرياً أو متمرداً أو خارجاً عن الإجماع. بل إنها لم تكتفِ بالهيمنة على الأجهزة العسكرية والأمنية، بل ابتلعت كذلك الأحزاب السياسية المؤدلجة وجعلتها أدوات خاضعة لمصالحها.
وقد جاءت حرب 15 أبريل 2023 كذروة لهذا المسار. إذ اعتقدت الحركة الإسلامية — التي تمثل الامتداد الأكثر صلابة للدولة العميقة — أن بإمكانها حسم المعركة خلال ساعات وإعادة إنتاج سيطرتها التقليدية على الدولة. غير أن حساباتها كانت أبعد ما تكون عن الواقع؛ فالحرب سرعان ما تحولت إلى معركة وجودية اتحدت حولها شعوب الهامش وقوى التحرر التاريخية، فانكسرت قبضة الدولة العميقة وخرجت الحرب عن نطاق سيطرتها.
اليوم، تبدو محاولات التعبئة العامة والاستنفار المستميت مجرد مشاهد أخيرة لمشروع يلفظ أنفاسه، بينما تشهد البلاد مخاض ميلاد سياسي جديد تتقدم فيه قيم الحرية والعدالة والمساواة. فالسودان يقف على أعتاب الجمهورية الثانية، جمهورية تحلم بها الشعوب التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل كسر بنية الهيمنة القديمة.
إن ما يجري ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو تحول تاريخي يعيد تعريف الدولة السودانية، ويمنح السودانيين فرصة نادرة لطي صفحة النظام القديم وفتح أبواب المستقبل على مشروع وطني قائم على المواطنة والعدالة.
#سودان_جديد_يتقدم
#سودان_قديم_يتحطم