مجاهد بشرى يكتب: المؤامرة المصرية لإجهاض السلام وتخريب العملية السياسية في السودان
طبيعة الصراع وتصفية التحول الديمقراطي
لا يُمثل الصراع الدائر في السودان منذ أبريل 2023 مجرد خلاف بين مكونين عسكريين؛ بل هو حرب وُظفت من أجل خوض حرب أخرى قادمة بالوكالة، حرب المياه، التي ستخسرها القاهرة ما لم يحكم السودان من يدين لها بالولاء المطلق، ومستعد لإجهاض كامل للتحول المدني الديمقراطي، و الثورة، وكل ما يعيق خططها المستقبلية.
تكشف هذه الورقة عن وجود مخطط إقليمي-محلي مُحكم، هدفه إنهاء نفوذ القوى المدنية الثورية، وإعادة إنتاج النظام الشمولي السابق تحت ستار جديد، مع ضمان مصالح إقليمية حيوية. تستند هذه الحقائق إلى معلومات استخبارية ودبلوماسية موثوقة.
أولاً: الأجندة الإقليمية وراء دعم البرهان والوصاية المصرية
تُوضح المعلومات أن جمهورية مصر العربية هي المحرك الإقليمي الرئيسي وراء استراتيجية الجيش السوداني (بقيادة عبد الفتاح البرهان)، مدفوعة بمصالح وجودية تتعلق بملف مياه النيل وسد النهضة.
• الحاجة لحليف دموي وضمان السيطرة: تجد القاهرة ضالتها في قائد ذي خلفية أمنية، و دموية قوية مثل البرهان، القادر على حكم السودان بالقبضة الحديدية، والذي يمكن الاعتماد عليه كحليف استراتيجي موثوق به في أي تصعيد يتعلق بأمنها المائي.
• تكرار السيناريو المصري: كان الهدف الأولي لانقلاب 25 أكتوبر 2021 هو استنساخ النموذج المصري: تعيين جنرال دموي على رأس البلاد وإقصاء المدنيين، هذا الانقلاب تم بضوء أخضر واضح من جهات مخابرات إقليمية لتأمين المصالح المصرية في السودان.
• استراتيجية المماطلة وتمديد البقاء: البرهان، مدعوماً بهذا الغطاء الإقليمي، اتبع سياسة المماطلة المتعمدة في كل مفاوضات (قبل وبعد الحرب) لضمان تمديد بقائه في السلطة، حتى لو كان الثمن هو إطالة أمد معاناة الشعب السوداني.
ثانياً: الاتفاق الإطاري كـ “فخ استراتيجي” لتفجير الحرب
تكشف المعلومات أن القبول المصري-البرهاني المزعوم بالاتفاق الإطاري لم يكن نابعاً من رغبة في التحول المدني، بل كان تكتيكاً مُتعمداً لتهيئة الظروف للحرب كخطوة اضطرارية أخيرة لتصفية القوى الثورية:
• تهديد الإسلاميين كفرصة: كانت القاهرة تدرك أن الاتفاق الإطاري سُينهي سيطرة الإسلاميين وقيادات النظام السابق على مفاصل الجيش والدولة. تم اعتبار ذلك فرصة لدفع الإسلاميين للتحرك العنيف لتعطيل الإطاري.
• أهداف “الفرصة الذهبية”: هذا التحرك العنيف سيُشعل الحرب، وهو ما سيمثل الفرصة الذهبية للبرهان وحلفائه لـ:
1. التخلص من قوات الدعم السريع (كقوة عسكرية موازية).
2. تصفية القوى الثورية والمدنية المناوئة عبر حالة الحرب.
3. إعادة الإسلاميين إلى الحكم.
• صفقة العودة والتمكين: كانت الصفقة تقضي بعودة قوى النظام السابق إلى السلطة – بعد “إنقاذها” من الإطاري – وتقبلها بالبرهان رئيساً كقائد أعلى يحمي مصالحها وقاداتها من المحاسبة في تدوير لما حدث بقبولها بعمرالبشير كواجهة تمثل شرعية المؤسسة العسكرية، وقد حدث هذا بالفعل بقطع الإسلاميين الطريق على العملية السياسية والعودة للواجهة عبر الجيش.
ثالثاً: تكتيك “المفاوضات اللانهائية” و”اختطاف الرباعية”
تؤكد المعلومات أن المسارات الدبلوماسية كانت مجرد غطاء لـ تكتيك عسكري-دبلوماسي لكسب الوقت لخدمة مصالح البرهان والقاهرة:
• استنزاف الخصم: تم استخدام مسارات جدة 1 و2، المنامة، جنيف 1 و2 لجر الدعم السريع نحو مفاوضات استنزافية لا تنتهي، مما يُتيح للجيش وقتاً ثميناً لإعادة التنظيم والاستعداد لشن حرب جديدة تنهي الصراع لصالحه، حيث أن مصر لم تدخر جهداً في دعم الجيش بالسلاح و العتاد و الاستخبارات، و لأهم أنّ استمرار الأزمة يخدم المصالح القاهرة الجيوسياسية.
• المخطط الحالي (خطة زيورخ لتصفية السلام): بعد الضغوط الأمريكية (خاصة مع تحركات المبعوث مسعد بولس وتصريحات الإدارة الأمريكية بمسؤولية الإسلاميين في إشعال حرب 15 ابريل)، تحولت الاستراتيجية إلى “اختطاف الرباعية” عبر خطة بسيطة:
o الموافقة المؤقتة والتعيين: أُمر البرهان بالقبول بشروط الرباعية مؤقتاً في زيورخ، تحت إغراء إبقائه في السلطة كـ رئيس (وليس قائد مجلس سيادي) إذا تم توقيع اتفاق سلام، وهو ما. يعني ان تجتهد مصر دبلوماسيا في إقناع جميع الأطراف بقبول وجود البرهان في السلطة كضامن للسلام، وهو ما تقوم به حاليا.
o ضمان عرقلة المحاسبة: الاتفاق يضمن أن يُعيق البرهان محاسبة الإسلاميين وتسليم قاداتهم أو مصادرة أموالهم المنهوبة، كما فعل في الفترة الانتقالية الأولى
o مسرحية الرفض والقبول: تتظاهر قوى النظام السابق برفض التفاوض والسلام أولاً، ثم تنصاع في الأخير لضمان عدم المحاسبة والحصول على غطاء سياسي جديد.
رابعاً: الخطر الأعظم: سلام “بلا مدنيين” وإعادة إنتاج الانقلاب
تكمن ذروة الخطورة في الهدف النهائي لهذا المخطط: إعادة إنتاج انقلاب أكتوبر 25 تحت مسمى “السلام”، من خلال تصفية القوى المدنية الثورية:
• تفكيك القوى الثورية وإقصائها: تدرك القاهرة أن قوى مثل “صمود” و”تأسيس” التي تطالب بتحول كامل ستعارض عودة البرهان. سيتم العمل على تهميشها ووصفها بأنها “العائق الوحيد أمام السلام” ومن ثم استبعادها من العملية السياسية، وتلميع الإسلاميين ونفي تهمة وقوفهم وراء الحرب ، لكن كيف ؟.
• الحاضنة السياسية البديلة (العودة إلى القديم): سيتم بناء حاضنة سياسية جديدة مُركبة من الإسلاميين وكتلة من الأحزاب التقليدية (التيار الديمقراطي، الاتحادي الأصل، الشيوعي، الكتلة الديمقراطية و الأرادلة) التي بدأت حراكاً لشرعنة هذا الحل.
سيكون المشهد هو. ان كل القوى السياسية لا مشكلة لديها في قبول البرهان كرئيس لفترة انتقالية مجددا، ماعدا صمود، وتحالف تأسيس بكل مكوناته، لذلك ستعمل القاهرة على التقارب مع قائد الدعم السريع الذي وافق على بقائه خارج السلطة هو و البرهان وفقا لخارطة الطريق التي وضعتها الرباعية للحل، و سيعمل الجيش على خفض تكتيكي للتصعيد الإعلامي و العملياتي تجاه المدنيين و تأسيس.
• النتيجة المباشرة: تحقيق نسخة سلام جديدة بلا مدنيين ديمقراطيين، نسخة مشابهة تماماً لانقلاب 25 أكتوبر، تضمن تفكيك تحالف “تأسيس” وإضعاف الدعم السريع (في حال قبوله بهذه التسوية) سيكون قائد الدعم السريع قد خان حلفائه في تأسيس. وسيغرق السودان في سلام زائف غير مستدام، يُرسخ لحكم عسكري-أمني جديد.
كيفية إنقاذ التحول المدني
إذا نجح هذا التكتيك، فإن السودان سيغرق في سلام زائف غير مستدام، يحرم الشعب السوداني من العدالة والتحول الديمقراطي، ويُرسخ لحكم عسكري-أمني جديد يُديره البرهان لحساب النظام القديم والمحور الإقليمي.
على ضوء هذه الأدلة الدامغة:
1. المطالبة الدولية الحازمة: يجب على المجتمع الدولي، خاصة الدول الراعية لعملية السلام، رفض أي تسوية تُبقي البرهان أو أي قائد عسكري طرف في النزاع في السلطة التنفيذية، والتمسك بالعملية السياسية الشاملة التي تُقصي طرفي النزاع العسكريين.
2. وحدة القوى المدنية: يجب على القوى المدنية الديمقراطية التوحد فوراً خلف مبدأ واحد: لا سلام على حساب العدالة والتحول المدني. أي تشتت أو قبول بتسوية جزئية هو انتحار سياسي يُخدم المخطط الإقليمي.
3. إطلاق عملية سلام شاملة ومحاسبة: الضغط لتنفيذ عملية سلام شاملة تمنح المدنيين قيادة كاملة وتُركز على الترتيبات الأمنية المتفق عليها أولاً، وتضمن المحاسبة لجميع المتورطين في إشعال الحرب.