️نجم الدين دريسة يكتب: الاتحاد الأفريقي بين ضعف الموقف وانحياز الأجندات
الاتحاد الأفريقي بين ضعف الموقف وانحياز الأجندات
✒️نجم الدين دريسة
منذ اندلاع الأزمة السودانية الأخيرة، ظلّ الاتحاد الأفريقي يحاول تقديم نفسه كوسيطٍ محايد قادر على جمع الأطراف وصناعة التسوية. لكن الوقائع أثبتت أن هذه المنظمة القارية باتت عاجزة، ضعيفة، ومفتقرة للاستقلالية، بعدما تحولت إلى أداة تتحرك وفق أجندات خارجية، وعلى رأسها الدولة المصرية، التي ما زالت تتعامل مع السودان بعقلية استعمارية تآمرية.
الدعوة التي وجهها الاتحاد الأفريقي مؤخرًا لبعض القوى السياسية للاجتماع في أكتوبر المقبل، اقتصرت على أطراف لا تملك القدرة ولا الإرادة لإحداث أي اختراق في ملف السلام، بل إن بعضها متورط مباشرة في إشعال الحرب. هذا الانتقاء يؤكد أن الاتحاد الأفريقي لم يعد يتحرك على قاعدة الحياد والموضوعية، وإنما أصبح منحازًا، في تكريس واضح لسياسات الإقصاء التي تستهدف تغييب القوى الوطنية الحقيقية، وفي مقدمتها تحالف السودان التأسيسي وحكومة السلام والوحدة، اللذين يمثلان المصلحة الوطنية العليا وأغلبية الشعب السوداني.
إن تغييب هذه الأطراف الفاعلة يعني عمليًا أن أي مبادرة للاتحاد الأفريقي لن تجدي فتيلاً. فالتجارب السابقة من اتفاقيات أديس أبابا مرورًا بجوبا أثبتت أن الحلول الجزئية والمصطنعة لا تقود إلى سلام مستدام. واليوم، تُراد صناعة “سلام هش” يُبقي السودان في قبضة الهيمنة المصرية، عبر تحالفات شكلية وأجندات مصممة خارج إرادة الشعب.
وفي قلب هذه المعادلة، يظل الجيش السوداني في نظر مصر الحارس الوفي لامتيازاتها ومصالحها في السودان، وأداة البطش التي استخدمتها لعقود لقمع تطلعات الشعوب السودانية. ولهذا تعمل الدولة المصرية الرسمية على إبقاء الجيش كما هو، بوصفه الضامن لاستمرار قبضتها الاستعمارية غير المعلنة. لكن الرؤية الوطنية الحقيقية، التي قدّمها تحالف السودان التأسيسي، تقطع الطريق على هذه الهيمنة، إذ وضعت روشتة واضحة لمعالجة الأزمة السودانية المستفحلة عبر دستور جديد يخاطب جذور الأزمة السياسية منذ الاستقلال.
مؤكد ان دستور تحالف السودان التأسيس يجعل الطريق سالكا نحو بناء دولة ديمقراطية فدرالية علمانية ذات سيادة كاملة واستقلالية تامة، ويؤسس لجيش وطني جديد بعقيدة حرة يعبر عن إرادة الشعوب السودانية، لا أن يكون أداة قمع وبطش أو مخلب قط بيد دولة أجنبية. هذه الرؤية هي الضمانة الوحيدة لتحقيق سلام عادل ومستدام يخرج السودان من دوامة الحروب والتبعية.
البيان الأخير لحكومة السلام والوحدة جاء معبّرًا عن هذه الرؤية، وعن تطلعات جماهير واسعة ظلت ضحية التهميش السياسي والاقتصادي لعقود، كما وضع النقاط على الحروف بشأن فشل الاتحاد الأفريقي وانحيازه الواضح. وهو بيان يضع معايير موضوعية لأي عملية سلام حقيقية، تستند إلى المشاركة الشاملة والملكية الوطنية الكاملة، بعيدًا عن وصاية الخارج ومؤامرات الجارة التي تفوق سوء الظن العريض.