منعم سليمان يكتب: الجيش .. العصابة المسلحة في زيّ الوطن!

الجيش .. العصابة المسلحة في زيّ الوطن!

 

بقلم: منعم سليمان

 

منذ فجر الاستقلال، ظلّ الجيش السوداني يتدثّر برداء الحامي، لكنه في كل مرة يخلع القناع ليكشف وجه الجلاد. هو ليس مؤسسة عسكرية سيادية، بل ورم متجذّر في جسد الدولة، ينهش اللحم والروح معاً، يبطش باسم الوطن، وهو أوّل من أهان كرامة الإنسان السوداني وباع سيادة السودان.

المشكلة أنّ الناس لا يتحدثون عن الانتهاكات حين يتعلق الأمر بالجيش، إذ إنّه في كل مرة يُرتكب فيها جرم يُغطّى بعباءة “حماية الوطن”: مِن من؟ متى حمى هذا الجسم الخائن وطناً؟ أو صان أرضاً، أو حفظ كرامة؟ متى وأين؟

التقرير المروّع الأخير لمرصد ولاية الجزيرة لا يصف وقائع متفرقة، بل يرسم خريطة رعب كاملة يديرها الجيش في الولاية: مصانع تتحول إلى معتقلات لمليشياته الاسلامية والجهوية، غرف ضيّقة تتكدّس فيها الأجساد، مدن بأكملها تُختطف من أبنائها وتُدار بقسوة الحديد والنار.

في مدينة الحصاحيصا حُشر مئات الأطفال مع النساء والرجال كقطعان بلا هوية. في رفاعة تُسحق الكرامة في غرفة لا تسع نصف ساكنيها. وفي المناقل يُدفن الضحايا في قبور بلا أسماء. أمّا مدينة ود مدني، عاصمة الولاية، فابتلعت وحدها آلاف المعتقلين من ناشطين ومتطوعين ومجرّد عابري طريق، اختير أغلبهم لسببين: الانتماء السياسي والإثني؛ فكل من له علاقة بقوى الثورة يُذبح، وكل من تعود أصوله لغرب السودان يُعذّب ويُنكل به ثم يُقتل.

التقرير يكشف عن موت جماعي ومدن جريمة بلا قانون: المحاكمات مسرحيات بئيسة، أبطالها قضاة أمنيّون خاضعون وجلادون متعطّشون للدم. أحكام بالإعدام والمؤبّد تُنتزع من أفواه معتقلين عُلّقت أجسادهم على مشانق التعذيب حتى اعترفوا بما لم يقترفوا.

الحرية تُباع في سوق النخاسة: بثمانية ملايين جنيه تُشترى براءة إنسان، وبربعها تُنهى حياة آخر، بينما يختفي آخرون قسراً أو يُغتصبون في أقبية مظلمة.

للضحايا أسماء ووجوه: خالد حسن عوض الجيد (الليبي) مات في المناقل، والمؤرخ والإذاعي السبعيني خالد بحيري يُعذّب يومياً فانهارت صحته بعد أشهر من الاعتقال السري، وأمجد بابكر التاي يُنكّل به في مدينة رفاعة لا لشيء سوى أنّ شقيقه أسعد التاي، المقيم في الإمارات، له موقف معلن ضد الحرب.

قصص كثيرة مؤلمة شاهدة على أن ما يجري ليس تجاوزات فردية، بل سياسة ممنهجة لقتل الروح السودانية.

كل، أو قل غالبية، المنظمات السودانية العاملة في مجال رصد انتهاكات حقوق الإنسان إمّا متواطئة مع الجيش بالعمل الأمني أو بالدوافع الإثنية، وهي شريكة في الجريمة.

المؤسسة العسكرية التي تزعم حماية الوطن، هي الخنجر المغروس في خاصرته، استمرأت الإفلات من العقاب فزادت في انتهاكاتها. وحين يُكافأ الجلاد بالصمت ويُترك الضحايا لمصيرهم، فإن البلاد كلها تتحوّل إلى معتقل كبير.

الجيش الذي يدّعي حماية الوطن لم يكن يوماً سوى خائناً للوطن، وأداة قتل وقمع واغتصاب للروح الوطنية، ولن تُستعاد السيادة إلا بإسقاطه عن عرش القداسة الكاذبة، وإعادته إلى حجمه: *عصابة مسلّحة لا أكثر*.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.