د. عبد المنعم همت يكتب: التعافي باقتلاع الكيزان

التعافي باقتلاع الكيزان

د. عبد المنعم همت

 

إن السودان يمر اليوم بأزمة وجودية تتطلب خطوات جذرية للخروج من دوامة الهوس الديني والسيطرة الأيديولوجية التي أرهقت البلاد لعقود. لقد أثبتت التجارب الماضية أنّ المشروع الإسلامي في السودان لم يقدّم أي نهضة حقيقية، بل استثمر الدين وسيلة للتمكين والسيطرة، فأغرق البلاد في الحروب والفقر والانقسام الاجتماعي. من هنا تبرز الحاجة الملحّة لإطلاق مبادرة تستأصل جذور هذا الهوس الديني وتعيد للسودان حيويته وقدرته على التعافي الحقيقي.
أول هذه الخطوات يتمثل في توحيد الشعب السوداني حول شعارات الثورة وقيم ديسمبر واعتصام القيادة، وهي القيم التي جسدت الطموح الوطني وأرست دعائم المواطنة والحرية. وحدها هذه الوحدة يمكن أن تشكّل قاعدة صلبة لبناء منارات في كل مكان، داخل وخارج السودان، تعكس الالتزام بالقيم المدنية وتعزز الوعي الاجتماعي والسياسي لدى المواطنين.
إنّ استعادة روح ديسمبر يعني استعادة فعلية لمشروع سوداني يقوم على الحقوق المتساوية، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
كما أنّ تفعيل الأجسام المدنية والنقابية يمثل ركيزة أخرى من ركائز هذا التعافي. فهذه الأجسام هي القادرة على تنظيم المجتمع، وتحريك المبادرات المجتمعية، ووضع آليات عملية لمساءلة القوى المتطرفة ومحاسبتها.
إنّ ابتداع وسائل مبتكرة للضغط الشعبي، سواء عبر العمل التنظيمي الدقيق بتجميع السودانيين في اجسام مقاومة، أو الحملات التوعوية، أو المبادرات القانونية والمدنية، يشكل أداة فعالة لمواجهة الهيمنة الأيديولوجية.

ولكي يكون هذا المسار ناجحاً، يجب أن يبدأ من الشعارات العملية التي يمكن أن تجمع المواطنين، وأولها شعار (قاطعوا الكيزان) الذي يمثل رفض السيطرة الإخوانية على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
يعد هذا الشعار دعوة فعلية للوعي والتمكين الشعبي، ودعوة إلى التحرر من أي تأثير أيديولوجي يقيد حرية الاختيار والتنمية.
إنّ استعادة السودان تتطلب إرادة جماعية حقيقية، ورؤية واضحة لبناء دولة مدنية، تكون فيها السيادة للشعب وحده، بعيداً عن الاستغلال الديني والسياسي. ويجب أن تكون المبادرة شاملة، تتضمن التعليم والثقافة ووسائل الإعلام والنشاط المجتمعي، لتغرس قيم التسامح والتعددية والاعتدال. إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يتعافى ما لم يتم تربية أجياله على القيم المدنية والوعي الوطني، ومواجهة أي شعارات دينية أو أيديولوجية متطرفة تحاول العودة من جديد.
إنّ الطريق أمام السودان طويل وصعب، لكنه ممكن إذا ما تضافرت جهود القوى المدنية وتوحدت حول مشروع وطني شامل يضع المواطن وقيم الحرية والعدالة في المقام الأول. ان المبادرة ليست مجرد مشروع سياسي، بل هي مشروع إنساني يستعيد الروح السودانية من قبضة التطرف، ويعيد بناء الدولة على أسس سليمة، لتظل قيم ديسمبر واعتصام القيادة منارة نهتدي بها نحو مستقبل أكثر سلاماً واستقراراً وحرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.