منعم سليمان يكتب: مناوي.. في الصيف ضيَّعت اللبن!
🟨 مناوي.. في الصيف ضيَّعت اللبن!
منعم سليمان
في ظهيرةٍ مثقلة بالخذلان، وقف أمس، مني أركو مناوي، قائد أحد أكثر الفصائل دمويةً وتقلّباً، ليخطب في قادة قبائل بورتسودان، لا كقائد واثق، بل كرجل يدرك أنه صار فائضًا عن الحاجة.
صوته المرتبك كان يشي بأكثر من الغضب: إنه إعلانٌ مبطن للتمرد على التحالف الذي استدعاه إلى قلب بورتسودان ثم بدأ في لفظه، بعد أن انتهى دوره كوقود لحرب لم يكن يوماً طرفاً أصيلاً فيها.
مناوي، الذي زجّ بمقاتليه في أتون المعركة إلى جانب البرهان والإسلاميين، استُخدم بحماسة، ثم استُهلك بإفراط، وها هو يُرمى به اليوم على قارعة التحالف الهش.
قال في خطابه: “هناك مسؤول كبير يرى أن الحرب خارج الخرطوم غير مهمة”، وهي عبارة تنقض الغزل من طرف خفي، وتضع إصبعًا في عين البرهان دون أن تذكره.
لقد أفاق مناوي، فجأة، على حقيقةٍ لطالما أنكرها: أنهم لم يريدوه شريكًا، بل مرتزقًا ببدلة رسمية، وفقاً لاتفاق الذهب مقابل القتال، يقاتل ثم يغادر بلا ضجيج، وبلا حق في الغنيمة أو القرار.
ومثل طفلٍ غُدر به في لعبة كبار، راح يُذكّرهم: دارفور ليست جغرافيا فقط، بل بوابة إقليمية محفوفة بالبارود. كأنه يهدد بما لم يعد يملك!
لكن الرسائل أوضح من أن تُموَّه.
فالخروج من الخرطوم لم يكن مجرد “تنظيم صفوف”، بل إخلاءٌ قسريّ، أعقبه حصارٌ ميداني وإعلامي، حتى بات يوصف بـ”القائد المرتبك” لدى إعلام بورتسودان، وهو الذي حُمل يوماً على أكتاف الدعاية الحربية.
والآن، بعد أن اجتاحت قوات الدعم السريع النهود وأم صميمة، واقتربت من مدينة الأبيض، وبعد أن أُعلنت حكومة بديلة، لم يبقَ في يد مناوي شيء، سوى صوتٍ يعلو كلما اشتد عليه الخناق.
في لحظة مأزقه الوجودي، ألمح إلى “سفير دولة عظمى” سأله عن تقسيم السودان، كمَن يرمي بورقةٍ دولية في مهبّ ريح داخلية عاتية. لكنها لعبة خاسرة .. فالتاريخ لا يمنح النجاة للذين باعوا خريطة عودتهم من أول الطريق.
كل ما جاء في خطابه لم يكن نبوءة، بل رثاءٌ مستتر. لقد استخدموه، فقاتل من أجل عدوٍ لن يعترف به حليفًا. وها هو اليوم ينفصل عن المشهد كما دخل إليه: مُحمّلاً بالضجيج، وعاريًا من المجد.
وأما نحن، فهذه ليست حربنا، ولم تكن يومًا حربنا: لقد احترق الذيل الذي لفحته النيران أولًا، وها هي النار تلتهم الذراع. فليفعل مناوي بهم ما يشاء .. أو ليفعلوا به ما يشاءون.
وهكذا، حين يُستَخدَم المرتزق ويُقضى منه الوطر، ينتهي دومًا بخطابٍ يشبه صراخ الغريق الأخير، قبل أن يبتلعه الغياب!
تبّاً لهم، وتباً لك، ثم تَبّ.