أ. الزين عبدالعزيز يكتب: مايحتاجه الناس حقًّا: بين قدسية الدستور وخدمة المجتمع
مايحتاجه الناس حقًّا: بين قدسية الدستور وخدمة المجتمع
أ. الزين عبدالعزيز يونس
ما الذي يجعل الشعوب تثق بحكوماتها؟ هل يكفي أن تُعلن الدولة التزامها بدستورٍ مكتوب، أم أن المعيار الحقيقي هو قدرتها على تلبية حاجات الناس الأساسية؟
في واقعنا المعاصر، نرى دولاً تتباهى بدساتيرها «المتطورة»، بينما يعاني مواطنوها من نقص الخدمات وغياب العدالة. وفي المقابل، توجد تجارب تاريخية وإسلامية أثبتت أن «مشروعية الحكم» لا تُكتَب على الورق، بل تُقاس بمدى تحقيقها لكرامة الإنسان.
فما هي مطالب الشعوب الحقيقية؟ وكيف يمكن أن تكون «العقيدة» و«الأعراف» مرجعيةً أقوى من مجرد نصوص دستورية؟
الفكرة الأولى: مطالب الناس ليست نظرية، بل خدمية
الخدمات قبل الشعارات
لا يهتم المواطن العادي بمن يحكمه، بقدر ما يهتم:
بمستشفى يُعالج مرضاه،
بمدرسة تُعلّم أبناءه،
بشارع نظيف، وقانون عادل.
يقول النبي عليه السلام: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة…». هذا الحديث يوضح أن غياب العدل، ولو جزئيًا، يُهدد السفينة كلها.
الفكرة الثانية: الدستور وحده لا يصنع عدالة
النصوص لا تكفي
تنص دساتير دول مثل السودان و مصر وغيرها على أن «الشريعة مصدر التشريع»، لكن التقارير الدولية تُشير بتدهور في مؤشرات العدالة الاجتماعية.
في المقابل، يحضرني دستور اليابان، بالرغم من أنه لا يذكر الدين، لكن الأخلاق المجتمعية الموروثة (مثل «البوشيدو»)، وهي مجموعة الأخلاقيات والقوانين التي كان يتبعها محاربو الساموراي، تظل الى يومنا هذا تحقق إنضباطًا ذاتيًا يمكن القول أنه أقوى من القانون.
المشكلة في التطبيق، لا في النص
الخليفة عمر بن الخطاب لم يكن لديه دستور مكتوب، لكنه أنشأ دولة العدل بمراقبة الله قبل القانون.
اليوم، لدينا دساتير تُجرّم الفساد، لكنها لا تمنع اختلاس المليارات، وهضم حقوق مواطنيها.
الفكرة الثالثة: المعركة الحقيقية هي معركة القيم
إذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا، فلنبدأ:
أولًا: تربية الضمير قبل كتابة الدستور
كما قال مالك بن نبي مقولةً قيمة: الحضارة تُبنى بأخلاق الناس؛ لا بقوانين الحكام.
ثانيًا: إحياء الأعراف الصالحة وصيانتهافي مجتمعات مثل ماليزيا، يُسمى الفساد “رشوة”، لكن في اللغة الدارجية: «هذا حرام شرعًا وعُرفًا»، مما يجعل المجتمع يراقب نفسه.
ثالثًا: العدالة كثقافة
القرآن لم يكتفِ «بإقامة العدل»، بل أمر بكلمة﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
الدستور وسيلة، وليس غاية
ليست المشكلة في وجود أو عدم وجود دستور، بل في «الروح التي تحكم المجتمع». حين تنهار القيم، يصبح الدستور حبرًا على ورق، لايمنع ظلماً ولا يقيم عدلاً.