منعم سليمان يكتب: دولة بلا سيادة .. وقائد بلا هيبة!

دولة بلا سيادة .. وقائد بلا هيبة!

 

منعم سليمان

 

كانت الخرطوم، قبل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر المشؤوم، واجهةَ الحلم الوطني، ومهدَ فكرة الدولة الحديثة. لم تكن مجرد عاصمة، بل كانت عنوانًا للكرامة الإنسانية، ومسرحًا للسيادة، رمزًا ومعنًى.

كانت منارةً للثورة، وأحلام الشعوب وتطلّعاتهم نحو الحرية. كان اسمها يُنطق متبوعًا بالهيبة، محاطًا بهالةٍ من المجد والفخر، وكانت محترمة.

في ظلالها نما الضوء على اسم عبد الفتاح البرهان، ومن احترامها اكتسب احترامه، قبل أن يطغى ويتكبّر، ثم ينقلب ويفجُر، فينتهي إلى النحو الأسيف الذي هو عليه الآن؛ مهزأةً أمام كل مرتزق حقير… و *مناوي*!

إنها *الكارما*، أيها الحالمُ سلطةً.

أمس الأول، أصدر البرهان قرارًا يقضي بإخلاء العاصمة الخرطوم من كلّ القوات المقاتلة والتشكيلات المسلحة.

وبالطبع، كان يقصد ما يُسمّى بـ”القوات المشتركة”، لا جيشه، ولا كتائب إخوانه الإسلاميين – لكن لم تمضِ 48 ساعة حتى جاءه الرد، بوقاحةٍ لم يحسب حسابها: *”لن نخرج إلا بقرارنا!”*

وحين يُصدِر القرارَ من نصب نفسه رأسًا للدولة وسيادتها، وتردّ عليه مجموعة مرتزقة بالاستخفاف والرفض، فاعلم أن *البندقية* لم تعد أداةً للوصول إلى السلطة، بل صارت السيادة نفسها!

والمفارقة أن من يطالب بإفراغ العاصمة، هو من هرب منها فارًّا إلى بورتسودان، حيث أسس حكومةً جعل شعارها: *”المجد للبندقية”*.

وهرب خلفه الجيشُ المدرَّب على السلطة والفساد، لا البندقية والحرب، فأصبحت العاصمة فارغة، ليتفاجأ بأن من ملأ الفراغ هم المرتزقة، لا الجيش. وهو يريد الآن التخلّص منهم ليخلو له وجهُ السلطة، فيُحقّق حلمه السلطويّ الغبي، وعودة كيزانه مرة أخرى!

لقد أدخل البرهان نفسه والبلاد في مأزقٍ وجوديّ عميق، ولا سبيل للخروج منه إلا بقدرٍ من الصدق والشجاعة ظل يفتقدهما؛ أن يوقف الحرب، ويفكّ ارتباطه بالإسلاميين والميليشيات، ويُعيد ما تبقّى من الجيش إلى ثكناته، ليُعاد تأسيسه من جديد، بشروط الجيوش الوطنية لا رغبات الكيزان.

بعدها فقط، يمكن أن تعود البلاد إلى المكان الذي انقلب فيه على إرادة شعبها: إلى مشروع الدولة المدنية الذي خطّته تضحيات ديسمبر المجيدة.

فإما استعادة وطنٍ يُحكم بالدستور، أو السقوط الكامل تحت سطوة البنادق، حيث لا دولة، ولا جيش، ولا مستقبل… وإن لم يفعل ذلك حفاظًا على وطنٍ يقف على حافة الانهيار الأخير، فليفعل حفاظًا على كرامته الشخصية، وماء وجهه الذي يُراق كل صباح أمام بنادق المرتزقة.

*لقد صار البرهان خزيًا متجوّلًا، وهوانًا مجسّدًا، ومهزأةً… جدًا!*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.