نذر صدام بين الجيش والحركات المسلحة في الخرطوم

نذر صدام بين الجيش والحركات المسلحة في الخرطوم

التواجد العسكري في الولايات يمنح حركات دارفور ثقلا سياسيا.

 

 

يثير قرار إخلاء الخرطوم من الحركات المسلحة أزمة داخل معسكر الجيش، في ظل شعور متنامٍ لدى هذه الحركات بوجود مساعٍ لدى بعض القوى لإضعاف الحركات والتشويش على العلاقة القائمة بينها وبين المؤسسة العسكرية.

الخرطوم– فتحت التمركزات العسكرية للحركات المسلحة في الخرطوم وعدد من الولايات مجالا جديدا للخلاف بين الجيش ومجموعات يتحالف معها، بعد أن كانت بؤرة التوتر تنصب في الأسابيع الماضية حول المناصب الوزارية التي حسمتها الحركات لصالحها، ما يجعل الصراع الذي خرج إلى العلن مقدمة لصدام يؤثر على تماسك تحالف الجيش.

وجاءت ردود القوات المشتركة على قرار قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان بإفراغ الخرطوم من القوات المقاتلة والكيانات المسلحة خلال أسبوعين، معبرة عن حجم الخلاف، إذ كشف مشرف القوة المشتركة وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي أن مجلس السيادة وقيادة الجيش لم يُخطرا القوة المشتركة بتفريغ الخرطوم من القوات.

واتهم المتحدث باسم القوة المشتركة للحركات المسلحة أحمد حسين مصطفي في تصريحات لوسائل إعلام محلية، جهات (لم يسمها) بالعمل على تشويه صورة القوة في ولاية الخرطوم واتهامها بأنها تثير الفوضى، مشددا على أن هذه الجهات “تستبطن أغراضًا في محاولاتها الدائمة لطعن القوة المشتركة في ظهرها.”

وأصبح انتشار القوات المشتركة أحد أبرز عوامل الخلاف مع الجيش، بخاصة مع استعادة ولايات عديدة من قبضة قوات الدعم السريع، وحال سمح الجيش لهذه العناصر بالتواجد والانتشار سوف تشكل خطرا عليه، ليعيد تدوير الأزمة مع المجموعات التي تمتلك السلاح، فقرارات إخلاء المناطق المدنية من القوات المشتركة لم تصاحبها إجراءات للدمج داخل الجيش لتكون هناك قوة حكومية واحدة.

ويمنح التواجد العسكري في الولايات ثقلا سياسيا لحركات مسلحة ضغطت لتحافظ على مواقعها في الحكومة الجديدة التي يجري تشكيلها، وترى أن الجيش يعمل على قصقصة أجنحتها كي لا تشكل خطرا عليه، ودفعها نحو مناطق بحاجة إلى تواجد عسكري كثيف، بعيدا عن المناطق المحررة، فمناطق تمركز هذه القوات تاريخيا هو إقليم دارفور الذي تسيطر عليه بشكل شبه كامل قوات الدعم السريع.

ويخدم التوجه غربا الجيش، ويقلص نفوذ الحركات التي مازالت لديها مخاوف من إمكانية أن تتلقى طعنات في الظهر، تجعلها خارج سياق المعادلة السياسية المستقبلية.

وتشكل عملية تواجد الحركات المسلحة في بعض المدن والولايات أزمة قديمة منذ أن وقعت على اتفاق جوبا للسلام، وكان لها تواجد في الخرطوم وعدد من الولايات الأخرى، وشكل ذلك دعما للجيش سهّل مهمة الانقلاب العسكري على السلطة المدنية بعد أن دعمت خطواته لإبعاد رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك.

وقال آدم والي القيادي بحركة جيش تحرير السودان/ جناح مني أركو مناوي، إن تصريح قائد الحركة يشير إلى أن قرار إبعاد الحركات المسلحة لم يتم تنفيذه على الأرض، وحال طالب الجيش بشكل رسمي ستتم الاستجابة له، وهناك من يريد إثارة المشكلات بين الطرفين لإفساد التحالف وإحداث شرخ يصعب علاجه، ومن يتورطون في ذلك محسوبون على الجيش ودوائر داخله لا ترضى عن التنسيق الحالي.

وأضاف والي في تصريح لـ”العرب” أن تحالف الحركات المسلحة مع الجيش يتسم بالقوة والصمود، وثمة موقف ثابت بأن حركات دارفور دخلت الحرب للوقوف أمام مساعي تمزيق البلاد، غير أن ما يحدث يشير إلى وجود أطراف متربصة بالحركات، فقبل أن تجف دماء المقاتلين في المعارك تتزايد المطالب بإخراج القوات المشتركة من المناطق الآمنة، والحركات تتعامل مع الجيش كقيادة، وترى أن التحالف مع الحركات إستراتيجي حتى انتهاء الحرب، ثم تم دمجها داخل جيش وطني واحد في المستقبل.

ولفت إلى أن الحركات المسلحة واجهت اعتراضات من قوات الدعم السريع على تواجدها في الخرطوم قبل اندلاع الحرب، وأن التيار الإسلامي لديه خلافات مع الحركات وكذلك “قحت” (قوى الحرية والتغيير) توافقت مع هذا الرأي كراهية في الحركات، والآن لا يوجد ما يبرر لتكرار الطلب من جانب الجيش.

وشكّل رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبدالفتاح البرهان لجنة لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى الخرطوم، برئاسة عضو المجلس إبراهيم جابر، تشمل مهامها إفراغها من القوات المقاتلة والكيانات المسلحة خلال أسبوعين، اعتبارًا من 18 يوليو.

وأكد المحلل السياسي السوداني علي الدالي أن الحديث عن عدم وصول قرار إخلاء العاصمة للقوات المشتركة ليس منطقيا وهناك تنسيق كبير بين الجيش والحركات، وهما يقودان منصة واحدة للعمليات، وتوجد هيئة عسكرية مشتركة يصعب معها اتخاذ قرارات دون تشاور، ما يجعل تصريحات مناوي تصب في صالح الخلاف حول قرار إفراغ العاصمة من الجماعات المسلحة، وأن بعض الحركات تحاول التخفيف من القرار لتأكيد أنها ستقوم بإعادة تموضعها وليس الانسحاب الكامل.

وأوضح الدالي في تصريح لـ”العرب” أن شيطنة القوات المشتركة في بورتسودان والخرطوم وتوجيه اتهامات لها بالسلب والنهب والتورط في عمليات عنف ضد المواطنين، تخدم سعي الجيش للتخلص من تواجدهم في الولايات الكبرى، ويبرهن على وجود قوة ما تريد أن تعزل القوات المشتركة بعد استرداد الخرطوم.

ونشرت القوة المشتركة صورة لشخصين قالت إنهما انتحلا صفة القوة في حي الأزهري بجنوب الخرطوم، وكانا يقومان بترويع المواطنين وسرقتهم، وأنها سلّمتهما إلى استخبارات الجيش لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهما، وأن هذه ليست المرة الأولى التي ينتحل فيها أشخاص صفة القوة المشتركة.

وشدد الدالي في حديثه لـ”العرب” على أن قرار مجلس السيادة يشمل كافة أشكال الوجود العسكري، بما في ذلك القوات المسلحة، لكن ذلك يبقى غير منطقي، لوجود مقار عسكرية للجيش يتواجد فيها داخل القيادة العامة وفروع للوحدات العسكرية في عمق العاصمة، وقد يواجه الموقف اعتراضات من جانب تشكيلات أخرى ومستنفرين وميليشيات إسلامية تحمل السلاح وتقاتل إلى جانب الجيش.

وتبقى الخرطوم موقع الحراك السياسي تاريخيا، وهي مركز الثقل الجماهيري الذي تبحث عنه جميع القوى السودانية، وتواجد القوات المشتركة بها يمنحها قوة دفع كبيرة إذا أرادت التحول إلى تنظيم مدني، وهي بقعة مهمة لإدارة معاركها السياسية مستقبلا.

وبعث المتحدث باسم القوات المشتركة أحمد حسين برسالة تفيد بأن الحركات المسلحة لها الفضل في استعادة الخرطوم، قائلا “القوة المشتركة تحركت تحت الألغام حتى استعادت مصفاة الجيلي شمالي الخرطوم بحري”، ما يعيد تذكير الجيش بأهمية استمرار التنسيق مع حركات مثلت رقما في خطوة عودة الحكومة إلى الخرطوم.

ويملك الجيش السوداني إرثا من محاولات تفريغ العاصمة من أي قوة عسكرية، وكان ذلك إحدى شرارات تصاعد الخلاف مع قوات الدعم السريع قبل الحرب، وحدثت صدامات مسلحة لإخراج هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات في الخرطوم، ما يجعل الخيارات مفتوحة حيال التعامل مع الحركات المسلحة.

العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.