عادل إبراهيم يكتب: سد النهضة: الواقع الجديد وتحديات القرار المستقل في السودان

سد النهضة: الواقع الجديد وتحديات القرار المستقل في السودان

 

عادل إبراهيم

في خطابه أمام البرلمان الإثيوبي بتاريخ 3 يوليو 2025، أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد اكتمال مشروع سد النهضة، مشيرًا إلى أن الافتتاح الرسمي سيُقام في سبتمبر المقبل. وفي رسالة موجهة إلى السودان ومصر، أكد آبي أحمد أن السد لا يُشكّل تهديدًا لأيّ من الدولتين، بل يُعدّ رمزًا للتعاون الإقليمي والمنفعة المتبادلة. ولفت إلى أن السد العالي في مصر لم يفقد لترًا واحدًا من المياه نتيجة سد النهضة، مشددًا على التزام بلاده بعدم جعل التنمية عبئًا على دول الجوار، وإيمانها بمبدأ تقاسم التقدم والطاقة والمياه بين الدول الثلاث.

هذا الإعلان يُكرّس سد النهضة كأمر واقع لا رجعة فيه، ويجعل من محاولات إثناء إثيوبيا عن الاستمرار في ملء بحيرة السد ضربًا من العبث. ومن ثم، يصبح على السودان، أكثر من غيره، تبنّي مقاربة إستراتيجية متوازنة، تحفظ مصالحه الوطنية وتُراعي معادلة الفوائد والمخاطر.

من أبرز الإيجابيات التي سيجنيها السودان من سد  النهضة – وفقًا لرأي الكثير من الخبراء – تنظيم تدفق مياه النيل الأزرق على مدار العام، ما يُسهّل عمليات الري، ويقلل من خطر الفيضانات المدمرة، ويُعزز قدراته في إنتاج الطاقة الكهرومائية. علاوة على ذلك، يمكن للسودان أن يستفيد من كامل حصته من مياه النيل، بما في ذلك الجزء الذي ظلت مصر تحصل عليه دون مقابل منذ أكثر من ستة عقود، والمُقدّر بنحو 6.5 مليار متر مكعب سنويًا. وهو ما لا يروق للقاهرة، كما عبّر صراحة وزير الري المصري الأسبق محمد نصرالدين علاّم في تسجيل متداول قال فيه “المشكلة الكبرى لمصر إذا انتظمت مياه النيل على مدار العام، أنها ستشجع السودان على زراعة موسمين بدل موسم واحد، ما يؤثر على حصة مصر من المياه.”

استنادًا إلى هذه الحقائق، ينبغي على السودان أن يبلور موقفًا مستقلًا ومتوازنًا من قضية سد النهضة، بعيدًا عن الانحياز غير المبرر للموقف المصري، الذي تجاهل، طيلة السنوات الماضية، مصالح السودان وإثيوبيا وسائر دول الحوض، وأسهم في تعطيل فرص التوصل إلى تسوية ثلاثية عادلة تُراعي مصالح جميع الأطراف.

ما يحتاجه السودان هو سياسة خارجية قائمة على الحياد الإيجابي، والوقوف على مسافة واحدة من القاهرة وأديس أبابا، مع السعي لتعزيز التعاون الفني مع الجانبين، ولاسيما إثيوبيا، في مجالات تبادل المعلومات الفنية، وضمانات سلامة السد، وإدارة الموارد المائية. فالسودان هو الأقرب جغرافيًا للسد، وبالتالي هو الأكثر عرضة للمخاطر المحتملة.

سد النهضة لم يعد مجرد مشروع إثيوبي، بل غدا معلَمًا جديدًا في خارطة العلاقات بين دول حوض النيل. وتعاطي السودان مع هذا التحول يجب أن ينطلق من قاعدة المصالح الوطنية، لا من تبعية سياسية أو اصطفاف إقليمي

أما مصر، فبحكم بعدها الجغرافي، والحماية التي يوفرها لها السد العالي، فهي الأقل تأثرًا بالتبعات المباشرة لسد النهضة، ومع ذلك تحظى بدعم غير مشروط من بعض النخب السودانية، وعلى رأسها القيادات العسكرية، التي كرست تبعية القرار السوداني للمصالح المصرية على حساب مصالح السودان الوطنية.

وفي هذا الشأن استغلت القاهرة طموحات الفريق عبدالفتاح البرهان، ودفعت به إلى اتخاذ مواقف منحازة، أبرزها تسليم قاعدة مروي الجوية للقوات المصرية في ذروة التوتر بين مصر وإثيوبيا، فضلًا عن تصعيد النزاع الحدودي في منطقة الفشقة، بينما كانت إثيوبيا منشغلة بحرب تيغراي.

في واقع الأمر إن جوهر الخلاف بين مصر وإثيوبيا لا يقتصر على سد النهضة فحسب، بل يتصل بالإطار القانوني لتنظيم استخدام مياه النيل. فمصر لا تزال تتمسك باتفاقيات الحقبة الاستعمارية (1902، 1929، و1959) التي منحتها حقوقًا حصرية شبه مطلقة في مياه النهر، بما في ذلك حق الاعتراض على أيّ مشاريع تنموية تقيمها دول المنبع كالسدود، في المقابل، ترفض إثيوبيا، ومعها غالبية دول حوض النيل – باستثناء السودان – تلك الاتفاقيات، باعتبارها غير عادلة وغير ملزمة قانونًا.

والمفارقة أن السودان، الذي لم يكن طرفًا في هذه الاتفاقيات التي كرّست الهيمنة المصرية، تبنّى الموقف المصري من السد، رغم كونه أحد المتضررين من تلك الترتيبات الاستعمارية. كما تضرر من اتفاقية 1959، التي فُرضت في عهد أول نظام عسكري في السودان، وأسفرت عن تهجير أهالي مدينة حلفا التاريخية وإغراق إرث نوبي حضاري لا يُقدّر بثمن.

خلاصة القول إن افتتاح سد النهضة يمثّل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السودان على انتهاج قرار سيادي مستقل يعكس مصالحه الوطنية، لا مصالح الآخرين. وهذا يقتضي مراجعة شاملة للموقف من الاتفاقيات التاريخية الموروثة، وإعادة النظر في موقف السودان من “اتفاقية عنتيبي” التي دخلت حيّز التنفيذ بعد تصديق أغلبية دول الحوض عليها، باعتبارها تُعيد تعريف مبادئ التعاون المائي على أساس “الانتفاع المنصف والمعقول،” وتفتح الطريق نحو عدالة مائية إقليمية تخدم السودان قبل غيره.

أما مصر، فقد آن الأوان لأن تُدرك أن زمن الهيمنة الأحادية على مياه النيل قد انتهى، وأن طريق المستقبل يمر عبر الشراكة والتكامل، لا عبر الإملاءات والمواقف الأحادية. وبدلًا من التمسك بما تسميه “حقوقًا تاريخية،” سيكون أجدى لها الانخراط في إستراتيجيات أكثر واقعية، مثل تحلية مياه البحر، وتوسيع مشاريع إعادة الاستخدام، وتبني سياسات مائية مستدامة تراعي المتغيرات المناخية والجيوإستراتيجية المتسارعة في الإقليم.

وختاماً، لم يعد سد النهضة مجرد مشروع إثيوبي، بل غدا معلَمًا جديدًا في خارطة العلاقات بين دول حوض النيل. وتعاطي السودان مع هذا التحول يجب أن ينطلق من قاعدة المصالح الوطنية، لا من تبعية سياسية أو اصطفاف إقليمي. فصيانة السيادة تبدأ من قدرة الدولة على قراءة الواقع بعيونها، واتخاذ القرار المستقل في الوقت المناسب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.