منعم سليمان يكتب: فضيحة (أمل)!

 

فضيحة (أمل)!

 

منعم سليمان

 

كلّ شيءٍ في بورتسودان يشتعل هذه الأيام كفضيحة: من طريقة إدارة السلطة كجريمة، إلى كيفية تقاسمها كغنيمة. ولا شيء يكشف الحقائق كما تفعل الفضائح، لا سيما حين تقع في العلن. وليس هناك ما هو أقسى على الإنسان من غياب الأمل؛ فكيف إذا تحوّل (الأمل) ذاته إلى قناعٍ لتمرير البؤس، وإلى عربةٍ يستخدمها الكيزان في طريق عودتهم إلى السلطة، يجلس بداخلها “كميل بورتسودان” كملكٍ إفريقيٍّ مخصيٍّ بلا سلطة، مهمّته الوحيدة التلويح بيديه من النافذة، في محاولةٍ لخداع جموع البسطاء والمخدوعين، بـ”أملٍ ” زائف، و”كرامةٍ” تتآكل كلّ يومٍ في واقعهم، بينما تستمر العربة في المضيّ نحو محطة الخيانة الأخيرة!

 

لكنّ الفضيحة هذه المرّة كانت خارجيّة؛ وقعت في مدينة جنيف السويسرية، وكأنّ الله أراد لهذه المدينة أن تكون مسرحًا لعرض فضائح الرجل: من فضيحة تزويره في عمره، وشبهات فساده المالي التي انتهت بطرده، إلى فضيحة انكشاف المستور في اجتماعات مجلس حقوق الإنسان الأسبوع الماضي، حيث ثبت أن الكيزان قد تجاوزوا مرحلة العودة إلى السلطة، بل عادوا فعليًّا، وسيطروا، وبدأوا في إدارة سلطتهم داخليًّا وخارجيًّا. وقد ثبت أيضًا أن كميل هذا لم يكن سوى خيارهم واختيارهم، وأنّ (الأمل) الذي أعلنه شعارًا له لم يكن سوى أملهم في العودة الكاملة.

 

لم يكتفِ ممثل “أمل الكيزان” داخل المجلس بتأييد قمع أفورقي، بل ذهب أبعد حين شعر بوقع الاستخفاف والهزيمة، فاقترح إضافة فقرة على القرار الأوروبي الداعي لتجديد ولاية المقرّر، تقضي بتمديدها لعامٍ واحد فقط، ثم إلغائها نهائيًّا؛ غافلًا عن أنّ حتى الأنظمة القمعية تحرص على شيءٍ من الكياسة واللباقة في طرحها.

 

النتيجة؟ تمّ تجديد الولاية، ولم يصوّت أحد لصالح مقترح ممثل كميل بورتسودان. بل لم يعلّق عليه أحد؛ لا حليف، ولا خصم، ولا حتى من باب المجاملة. وكأنّ من نطق به مجنون!

 

لقد تُرك وحيدًا في ساحة المجلس، حتى أولئك الذين يقفون على تخوم الديكتاتوريات، مثل روسيا والصين، آثروا الصمت وتركوه يتخبّط في قاع الخزي.

 

كان موقفه سقطةً أخلاقية مدوّية، لم تُحفظ فيها حتى قواعد المجاملة الشكلية، فبدت خيبته معلّقةً في هواء المجلس. وأجزم: لو أن ممثل الشمال الكوريا المجنون قد تقدّم بمثل هذا الاقتراح، لوجد من يجامله ولو بإيماءة. أمّا هم، فقد عادوا ليعيدوا السودان إلى ما هو دون مكانة كيم جونغ أون!

 

ويبقى السؤال هنا: هل كان الناس بحاجة إلى جنيف ليعرفوا من يحكم السودان الآن؟ ربما لا. لكنّ الفضائح، حين تُقال على منابر دولية، تريحنا أحيانًا من عبء الشك.

 

إنّه الأمل الزائف خلف خديعة الكيزان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.