جريمة الكلور الموثقة.. هل تسقط الأدلة الدامغة في فخ الفيتو الروسي الصيني؟

جريمة الكلور الموثقة..
هل تسقط الأدلة الدامغة في فخ الفيتو الروسي الصيني؟

✍️بقلم أحمد عثمان محمد المبارك

حين تحوّلت غرف التصنيع العسكري في كواليس الحرب السودانية إلى ورش هندسية لحبس غاز الكلور داخل قذائف تزن ثلاثة وثلاثين رطلاً وتجربتها جواً من مدارج قاعدة مروي نحو أحياء الخرطوم، لم تكن قيادة بورتسودان تختبر مجرد سلاح فتاك لتعديل كفة معركة ميدانية متعثرة ضد قوات الدعم السريع، بل كانت ترتكب انتحاراً سياسياً موثقاً بالصوت والصوت وتوقيعات الرتب الرفيعة وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان واللواء طارق حسين، ذلك أن انتقال المحظور الكيميائي من حيز الشائعات المغرضة إلى حيازة وكالات الاستخبارات الأمريكية لملفات رقمية واعتراضات لاسلكية بالغة الدقة فضح حتى مساعي التستر اللاحقة ولجان التطهير الصورية، ليرتفع التوصيف هنا من مجرد انتهاك عسكري عابر إلى نمط من العنف المحرّم دولياً ليجرد السلطة الحاكمة من آخر ذرائع السيادة الأخلاقية، ويحاصرها في زاوية ضيقة لا تجدي معها بلاغات النفي المعتادة، حيث تتحدث التفاصيل الجنائية بلغة الوثائق التقنية التي يصعب على أي حليف أن يتجاهل سميتها القانونية.

​غير أن الانتقال من ثبوت هذه الأدلة استخباراتياً وإعلامياً إلى فرض إدانة رسمية وقسرية داخل مجلس الأمن يواجه الحائط الجيوسياسي المسدود ذاته الذي حكم الأزمات المماثلة، وتحديداً التجربة السورية، فرغم أن الجريمة الكيميائية تعد من أشد المحرمات الدولية إثارة للحرج الأخلاقي، فإن السلوك التاريخي لكل من روسيا والصين أثبت أن المنظومة الأخلاقية الدولية تتراجع دائماً أمام المصالح الاستراتيجية وتوازنات القوى، ففي الملف السوري واجه مجلس الأمن أدلة قطعية صاغتها لجان تحقيق تابعة للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية كآلية التحقيق المشتركة وفريق التحقيق وتحديد الهوية أثبتت تورط النظام السوري في هجمات كيميائية، ومع ذلك لجأت موسكو إلى استخدام حق النقض (الفيتو) أكثر من اثنتي عشرة مرة لحماية حليفها، وعطلت تمديد آليات التحقيق، وشاركتها بكين في استخدام الفيتو أو امتنعت عن التصويت مع التشكيك الممنهج في نزاهة التحقيقات الغربية ووصفها بأنها مسيسة ومفبركة، مستندة إلى مبدأ رفض تغيير الأنظمة وتجريم التدخل الخارجي.

​وفي الحالة السودانية الراهنة، تعيد روسيا والصين إنتاج هذا النمط الدفاعي بصورة مطابقة تقريباً، حيث تجدان في مصالحهما الحيوية حافزاً لتجاوز الحرج الأخلاقي للملف، إذ ترى موسكو في سلطة بورتسودان شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه لتأمين مصالحها الجيوسياسية على ساحل البحر الأحمر، بما في ذلك التطلع التاريخي لإنشاء قاعدة لوجستية بحرية وتأمين شبكات النفوذ العسكري والاقتصادي ومصالح التعدين، مما يدفعها لاعتبار الملفات الاستخباراتية الأمريكية أداة ضغط تستهدف تفكيك مؤسسات الدولة لصالح ترتيبات سياسية تفرضها واشنطن، فتلجأ إما للتلويح بالفيتو أو تفريغ أي قرار من بنوده الملزمة عبر التشكيك في سلسلة حيازة الأدلة والمطالبة بتحقيقات ميدانية مستحيلة في ظل الحرب، بينما تحسب الصين حسابات التمسك بمبدأ عدم التدخل في الشؤون السيادية للدول الأعضاء وحماية استثماراتها في البنية التحتية والموارد النفطية والشراكات الاستراتيجية في القرن الأفريقي، مدركة أن تمرير إدانة كيميائية تعني عملياً نزع الشرعية الدولية عن الجيش السوداني وفتح الباب أمام إجراءات عقابية جماعية قد تضر بمصالحها طويلة الأمد.

​وفي ظل هذا الانسداد المتوقع داخل مجلس الأمن واستدعاء سلاح الفيتو أو التعطيل الإجرائي، فإن الاستراتيجية الأمريكية لن تتوقف عند حدود القاعة الأممية المغلقة، بل ستنتقل مباشرة إلى مسارات تصعيدية بديلة تجمع بين المناورة متعددة الأطراف والضغط القانوني والعزل المالي، فداخل أروقة الأمم المتحدة، ستعمل واشنطن على نقل المعركة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر تفعيل آلية الاتحاد من أجل السلام، لاستصدار قرار إدانة واسع النطاق لا يخضع لحق النقض، مما يجرد سلطة بورتسودان من الغطاء الشرعي دولياً، بالتوازي مع التحرك داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، حيث تخضع القرارات للتصويت بالأغلبية دون وجود حق نقض روسي أو صيني، لتعليق حقوق وعضوية السودان وإطلاق مسار تحقيق رسمي تقوده الأمانة الفنية للمنظمة.

​أما خارج المظلة الأممية، فإن الرد الأمريكي سيتخذ طابعاً تنفيذياً حاسماً عبر استدعاء تشريعاتها الداخلية الصارمة، وفي مقدمتها قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء عليها لعام 1991، لتطبيق حزم عقوبات اقتصادية ودبلوماسية تتجاوز تجميد أصول كبار القادة العسكريين والشركات التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية، لتصل إلى استخدام سلاح العقوبات الثانوية ضد أي أطراف وشركات دولية، بما فيها الكيانات الروسية أو الصينية أو الإقليمية، التي تقدم تسهيلات عسكرية أو مالية أو لوجستية للجيش السوداني، مما يرفع كلفة التعاون الاقتصادي مع بورتسودان إلى مستويات تفوق مكاسبه، فضلاً عن بناء تحالف غربي وإقليمي لتنسيق القيود على سلاسل الإمداد ومشاركة الملفات الاستخباراتية مع مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لتتحول نتائج الفيتو في نهاية المطاف من طوق نجاة لسلطة بورتسودان إلى محفز لعزلة دولية خانقة وحصار مالي وقانوني طويل الأمد تديره واشنطن وحلفاؤها خارج أطر التوافق الأممي المعطل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.