بين نار الحرب وجهل المتأسلمين.. لا خلاص للسودان إلا بوقف الحرب لأعادة الدولة المختطفة..

بين نار الحرب وجهل المتأسلمين..
لا خلاص للسودان إلا بوقف الحرب لأعادة الدولة المختطفة..

✍️كتب احمد عثمان محمد المبارك

طالعتُ في وسائل التواصل الاجتماعي خبراً متداولاً يبعث على عميق الأسى والذهول (لا أعلم مدى صحته، وإن كان يظل احتمالاً متوقعاً في ظل الواقع الراهن).
يروي الخبر تفاصيل حادثة مفجعة شهدها سوق للتعدين الأهلي في منطقة جبل البوم التابعة لمحلية وادي حلفا بالولاية الشمالية، حيث تحول بيت من بيوت الله إلى ركام وألسنة لهب إثر نزاع مذهبي عنيف بين مصلين انقسموا حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. وما يدمي القلب في تفاصيل تلك الواقعة ليس فقط الاعتداء على المصلين وتدمير ممتلكات المسجد من طاقة شمسية ومكيفات، بل ذلك المشهد السريالي للمعتدين وهم يهللون ويكبرون ابتهاجاً بإحراق مكان أُذن أن يرفع فيه اسم الله، ظناً منهم أنهم يحسنون صنعاً ويدافعون عن العقيدة.

​تجسد هذه الواقعة، بمرارة بالغة، طبيعة الفوضى العارمة التي بات يغرق فيها السودان جراء الحرب الممتدة وغياب سلطة الدولة، مما أتاح لمساحات الهشاشة الاجتماعية، خاصة في تجمعات التعدين التي تكتظ بمئات الآلاف من العمال الوافدين من شتى البقاع والإثنيات، أن تتحول إلى براميل بارود قابلة للانفجار عند أتفه احتكاك… فعندما تغيب هيبة القانون وأجهزة الردع والأمن، يتسيد منطق الغاب، وتتحول الخلافات الفكرية أو اليومية البسيطة إلى معارك مسلحة أو اشتباكات دموية يقودها التعصب الديني والمناطقي المتستر برداء الدين.

​تكشف هذه الجريمة النكراء عن حجم الجهل الفاضح الذي تحمله الأطياف المتطرفة والجماعات التي تدعي الوصاية على الإسلام، عقلية متأسلمة تتجرد من أبسط قواعد الفقه ومبادئ التعايش والتسامح. فكيف يعقل أن يُستباح دم المسلم وحرمة بيت من بيوت الله وتُحرق المصاحف والمفارش من أجل مسألة فرعية يسعها الخلاف الفقهي والاجتهادي منذ قرون؟ إن هذا التناقض الصارخ يعري زيف ذلك التدين الشكلي الأعمى، الذي يرفع شعار التكبير وهو يمارس التدمير، مستبدلاً جوهر الرسالة المحمدية القائمة على الرحمة وحفظ الأرواح بنزعات العدوان والاستعلاء الإقصائي.

​والحقيقة المرة التي لا يمكن الالتفاف عليها هي أن السودان اليوم بات يفتقد كلياً لسلطة الدولة المركزية وهيبتها، بعد أن نسفت الحرب المشتعلة كل أركان المؤسسات وحولتها إلى سراب.. إن من يسيطرون على مقاليد الأمور ويتحكمون في المشهد الراهن ليسوا سوى جيوش وفصائل مجيشة غارقة في صراعات النفوذ والبقاء، ومنفصلة تماماً عما يعانيه المواطن وما يشهده الشارع من انفلات مجتمعي وأمني خطير.. أما الواجهات السياسية المدعاة، وعلى رأسها ما يُعرف بحكومة الأمل، فما هي في واقع الأمر إلا خيال مآتة عاجزة تماما ولا تنشغل بأيٍّ من هموم الناس أو حمايتهم، وتقف موقف المتفرج العاجز أمام تمزق النسيج الأهلي.. ومن هنا، فإن أي حديث عن بسط الأمن أو لجم التطرف وجهلاء المنابر يظل ضرباً من العبث، ما لم يتصدر المشهد نداءٌ واحد ووحيد، وهو الوقف الفوري والكامل لهذه الحرب العبثية، كمدخل إلزامي وأساسي لاستعادة دولة حقيقية تملك هيبتها وسلطتها وقانونها، وتحمي البلاد والعباد من هذا الانحدار نحو الجاهلية والفناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.