ذهب السودان المنهوب.. اعترافات «سلطة بورتسودان» تفضح «أمراء اقتصاد الحرب»
تكشف اعترافات صادرة من داخل «سلطة بورتسودان» عن الوجه الأكثر قتامة لثروات السودان من الذهب، وكيف تحولت موارد البلاد من مصدر للتنمية إلى آلة لإذكاء الحرب وزيادة ثروات الجنرالات عبر شبكات النهب والفساد.
فبحسب اعترافات مسؤولين حاليين وسابقين في السلطة، يتمتع السودان بإنتاج هائل من الذهب تتجاوز قيمته 26 مليار دولار سنويًا، لكن هذه الثروة لا تجد طريقها إلى تنمية حياة السودانيين؛ إذ يجري تهريب الجزء الأكبر من الإنتاج عبر شبكات ومسارات خارج القنوات الرسمية، بينما لا يصل إلى خزينة الدولة سوى جزء محدود من عائداته.
وحتى هذا الجزء المحدود، وهو رقم معتبر يتجاوز مليار دولار خلال النصف الأول من 2026 وفق بيانات بنك السودان المركزي، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الصراع على السيطرة على الذهب.
وفي الأثناء تزداد ثروات عناصر شبكات الفساد، من خلال بناء اقتصاد حرب يضمن استمرار النزاع ودوام تمكينهم من التحكم في ثروات بلد منكوب منذ أكثر من 3 سنوات بجميع أنواع المعاناة المعيشية.
الأرقام الرسمية.. صادرات الذهب تضاعفت مرتين
بحسب أحدث بيانات البنك المركزي السوداني، بلغت صادرات الذهب الرسمية خلال الأشهر الستة الأولى من العام 1.135 مليار دولار، من خلال تصدير نحو 8,031.56 كيلوغرام من المعدن النفيس، أي ما يزيد على 8 أطنان، من أصل إجمالي صادرات سودانية بلغت 1.816 مليار دولار، أي أن الذهب وحده مثل نحو 62.5% من صادرات البلاد، وهو المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية في الاقتصاد السوداني.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة أكبر عند مقارنتها بالربع الأول من العام، الذي سجل صادرات ذهب بقيمة 370.7 مليون دولار وكمية بلغت 2,471.3 كيلوغرام، بما يعني أن الربع الثاني شهد قفزة كبيرة في صادرات الذهب بلغت أكثر من الضعفين، حيث بلغت قيمتها نحو 764.5 مليون دولار وكمية قدرها 5,560.3 كيلوغرام.
وتعكس هذه الزيادة مدى مركزية الذهب في الاقتصاد السوداني خلال الحرب، وتفتح في الوقت نفسه سؤالًا محوريًا حول الجهات التي تسيطر على إنتاجه وتجارته، ومسارات العائدات المتحققة منه، ومدى ارتباطها بتمويل الصراع.
26 مليار دولار سنويا بلا رقيب
المفارقة، أنه عند مقارنة هذه الصادرات الرسمية بتقديرات الإنتاج، نكتشف أنها ليست سوى جزء ضئيل جدا.
ففي يوليو/تموز 2026، قال وزير مالية سلطة بورتسودان جبريل إبراهيم إن السودان ينتج نحو 199 طنًا من الذهب سنويًا بقيمة تتجاوز 26 مليار دولار، وإن عائدات هذا الإنتاج لم تدخل خزينة الدولة، وأن أغلب الكمية يجري تهريبها، واصفًا الوضع بأنه «مخيف».
واعترف إبراهيم، خلال مشاركته في ملتقى التعدين بالخرطوم، أن المعادن هي قطاع سينضب من الموارد يوما ما، وحذر من أن مستقبل الاقتصاد السوداني يعتمد على القطاع الزراعي، وبالتالي كان يجب توجيه عائدات الذهب لدعم الإنتاج الزراعي، باعتباره مورداً متجدداً وقادراً على تعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وبهذه التصريحات، يؤكد إبراهيم أن مليارات الذهب المنهوبة لم تعرف أي طريق لتنمية حياة السودانيين، فأين ذهبت؟
جيوب الجنرالات
تأتي شهادة مبارك أردول، المدير العام السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية، لتضع جانبًا آخر من الصورة؛ إذ قال في تسجيل مباشر إن نصيب الحكومة من عوائد الذهب يجري تقسيمه بين شركة تابعة لجهاز المخابرات العامة وهيئة الاستخبارات التابعة للقوات المسلحة، تحت إشراف مباشر من جنرالات الجيش.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من موقع صاحبها السابق داخل المنظومة التي تدير قطاع التعدين، لأنها لا تتحدث فقط عن ذهب يجري تهريبه خارج السودان، وإنما تشير إلى مسار آخر للأموال التي تدخل أصلًا في نطاق العوائد الحكومية.
وبمعنى آخر، فإن المشكلة لا تبدأ وتنتهي عند الذهب الذي لا يصل إلى الخزينة؛ فحتى الأموال التي يفترض أنها تمثل حصة الدولة من هذا المورد تبدو، وفق شهادة أردول، مرتبطة بمؤسسات أمنية وعسكرية تقع خارج البنية المدنية التقليدية لإدارة المال العام.
كما تؤكد التقارير التي تحدثت عن مسارات معدة مسبقا من قبل جنرالات الجيش لتهريب الذهب.
خريطة تهريب الذهب
تعتمد شبكات سلطة بورتسودان على خريطة معقدة لتهريب ذهب السودان، تبدأ من مناطق التعدين وتنتهي في الأسواق الخارجية.
فبحسب الخريطة الرسمية لمربعات التعدين الصادرة عن هيئة الأبحاث الجيولوجية التابعة لوزارة المعادن، تتركز الغالبية الساحقة من مربعات التعدين في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش؛ إذ تضم هذه المناطق أكثر من 110 مربعات تعدين.
وتمنح هذه السيطرة الجيش نفوذًا واسعًا على المنبع، كما تمنحه، بحكم سيطرته على مؤسسات الدولة والمنافذ الجوية والبرية في مناطق نفوذه، نفوذًا على جزء مهم من مسار تصدير الذهب.
لكن السيطرة على مناطق الإنتاج والمنافذ الرسمية لا تعني أن كل الذهب يسلك الطريق نفسه. فجزء من المعدن النفيس يتحرك عبر شبكات غير رسمية ومسارات حدودية، تبدأ من مناطق التعدين وتصل إلى دول الجوار، قبل أن تدخل كميات منه إلى مراكز إقليمية رئيسية لتجارة الذهب.
وتزداد صعوبة تتبع هذه الرحلة مع إعادة بيع الذهب أو صهره أو تغيير بيانات منشئه، ما يسمح بإدخال المعدن في سلاسل تجارة دولية تبدو في مراحلها الأخيرة أكثر شرعية، بينما يكون مصدره الأصلي قد اختفى خلف طبقات من الوسطاء.
العين الاخبارية