السقوط المدوي لمصداقية الحارث إدريس

السقوط المدوي لمصداقية الحارث إدريس

صلاح شعيب

يتأكد لنا، مع مرور الأيام وتكرار المشاهد المألوفة، أن بعض السياسيين الذين ابتُلينا بهم في بلادنا لا يملكون من الثبات على المبادئ إلا ما يكفي ليُقال عنهم إنهم كانوا يوماً ما جزءً من تيارٍ، أو حزب. فهؤلاء الذين ينتمون ظاهرياً إلى حزب الأمة، أو الحزب الشيوعي، أو الاتحادي الديمقراطي، لا يترددون في التخلي عن كل ما كانوا يرددونه من مبادئ أساسية، حتى لو وصل الأمر إلى نكران تاريخهم بالكامل. يتضح لنا يوماً بعد يوم أن الكاش بالنسبة لهولاء السياسيين يقلل النقاش، وأن الوظيفة والمنصب أقوى من كل الشعارات.

فما إن يُلوَّح لأحدهم بمنصبٍ أو فرصةٍ شخصية، حتى يترك وراءه كل ما قاله، وكتبه، وناضل من أجله، ويبصق على تاريخه ببرودٍ، وبدون أي شعور بالحرج، أو الخجل.

هذا النوع من السياسيين، وهم للأسف الغالبية الساحقة في المشهد السوداني، هم الذين أورثونا سلسلة الحروب، والانقلابات، والانهيارات المجتمعية المتتالية.

لم يدخلوا العمل العام بدافع الوطنية، أو الرغبة في بناء دولةٍ مدنيةٍ حقيقية، ولم يكونوا معنيين بتقديم نماذج في التضحية، والمبدئية، والفداء. دخلوا الساحة السياسية أصلاً بحثاً عن المكاسب الشخصية، والمناصب، والنفوذ، فلما سنحت لهم الفرصة تخلوا عن كل شيء، وتركوا الشعب يواجه وحده نتائج انتهازيتهم، وجشعهم، ونفاقهم.

أما الحارث إدريس، فقد كان قبل ثورة ديسمبر مثالاً على الالتزام الحزبي الصارم. لم تكن هناك مفردةٌ قاسية ضد الديكتاتوريات، أو ضد نظام الإخوان، إلا واستخدمها، ودبّج بها المقالات، والتصريحات، ملتزماً تماماً بموجهات حزبه، ومواقفه الرسمية.

كان يظهر كصوتٍ معارضٍ لا يهادن، وكشخصٍ يضع المبادئ فوق أي اعتبار آخر. لكن اللحظة الحقيقية التي كشفت معدنه جاءت بعد أن كرّمته ثورة ديسمبر، وأعادت إليه وظيفته التي كان نظام الكيزان قد فصله منها.

هنا انكشف الوجه الآخر. فلم يكن وفياً للثورة التي أعادته، ولم يسِر في ركب السفراء الشرفاء الذين اختاروا الاستقالة بعد أن انتهك عبد الفتاح البرهان الوثيقة الدستورية، وأعلن انقلابه، وسعى لوأد الثورة وإجهاض مسار الانتقال الديمقراطي.

اختار الحارث طريقاً آخر مختلفاً تماماً. فضّل أن يواصل مهنته الدبلوماسية مندوباً لحكومة بورتسودان، تلك الحكومة التي تمثل امتداداً للانقلاب العسكري. وفي كل مرة يقف فيها أمام مجلس الأمن الدولي ليتحدث عن الشأن السوداني، أو يدلي بتصريحاتٍ صحفية، يبدو حريصاً كل الحرص على إرضاء مخدوميه في بورتسودان، مدافعاً عن مواقفهم، مبرراً سياساتهم، ومتجاهلاً تماماً المبادئ التي كان يدّعي الالتزام بها قبل سنوات قليلة فقط.

هكذا أصبح صوت الحارث المناضل سابقاً من أجل حلول ثورة عارمة كديسمبر امتداداً لصوت السلطة العسكرية، لا صوتاً مستقلاً، أو مبدئياً.

وآخر أقواله التافهة في مجلس الأمن لا تُواري الحقيقة فحسب، بل تفضح أيضاً معدنه على المكشوف. فهو يقف أمام المؤتمرين، والدبلوماسيين، والصحفيين، ليتحدث بلسان حكومة الجيش التي انقلبت على السلطة الشرعية في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وهو يدرك تماماً أن كل من يستمع إليه يعرف حقيقة موقعه ودوره.

لم يعد هناك مجالٌ للاستغراب، أو تبرير هذا التزوير لوقائع الأحداث. فالرجل يثبت يوماً بعد يوم أنه اختار الانتهازية على المبدأ، والمنصب على التاريخ، والولاء للسلطة القائمة على الوفاء للثورة التي أعادته إلى الخدمة. ويا لفداحة المناضل الذي يكذب نهاراً جهاراً بأن حكومة ثورة ديسمبر قد استقالت ما جعل الجيش يملأ الفراغ.

نوعية الحارث مثال جيد لدراسة ظاهرة السياسي السوداني الذي يفضل تلطيخ سمعته بالانتهازية – عند أرذل العمر – أكثر من تفضيل العيش بفقره كريماً حتى يكتب عند الله أنصارياً عضوياً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.