من الخرطوم إلى طهران.. حين تلتهم الأنظمة الدكتاتورية نفسها قبل السقوط..
من الخرطوم إلى طهران..
حين تلتهم الأنظمة الدكتاتورية نفسها قبل السقوط..
✍️كتب/ أحمد عثمان محمد المبارك
تقوم فرضية بقاء الأنظمة الشمولية تاريخياً على معادلة خادعة تفترض أن فائض القوة الأمنية قادر على تعويض النزيف الاقتصادي إلى ما لا نهاية. غير أن مسار التاريخ يبرهن على أن الاستبداد، حين ينخرط في صراعات استنزاف تفوق طاقته أو يفرض عليه حصار مالي خانق، يمر بحالة من التآكل البيولوجي تشبه ظاهرة الالتهام الذاتي، حيث يستهلك الجسد السياسي احتياطياته النقدية أولاً، ثم ينتهي به المطاف إلى افتراس نسيجه الإنتاجي وقواعد ارتكازه الأساسية حتى يتداعى الهيكل بأكمله تحت وطأة الإعياء.
ويقدم التاريخ السوداني الحديث تجسيداً دقيقاً لهذه الحتمية، فقد عاش النظام السابق لثلاثة عقود تحت وطأة عقوبات دولية وعزلة مصرفية خانقة، بينما كان الخطاب الرسمي يروّج لعدم جدوى هذه العقوبات، فتمادى في توجيه مقدرات الدولة لتمويل الأجهزة الموازية وشراء الولاءات السياسية على حساب القطاعات الإنتاجية الحيوية كمشروع الجزيرة والبنية التحتية، واستمر النظام في استنزاف مخزونه الاستراتيجي. وعندما جاءت صدمة انفصال جنوب السودان لتجرّد الخزينة من ثلاثة أرباع مواردها النفطية، تلاشت تلك الطبقة الحامية، وبدأت السلطة في التهام قيمة العملة والخدمات الضرورية، حتى انفجرت ثورة الخبز وتهاوى النظام لعجزه عن تأمين أدنى مقومات العيش اليومي.
تتطابق هذه الديناميكية مع نماذج تاريخية كبرى أثبتت أن الانهيار يبدأ دوماً من تصدع الجبهة الداخلية؛ فالاتحاد السوفيتي بقوته وجبروته لم يسقط باختراق عسكري خارجي، بل تهاوى حين عجز اقتصاده الموجه عن ملاحقة سباق التسلح وتوفير السلع الأساسية لمواطنيه في آن واحد. ويتكرر هذا المشهد اليوم في الحالة الإيرانية مع التحول الجذري في المقاربة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب، والتي أغلقت مسارات التفاوض الدبلوماسي غير المجدية لصالح استراتيجية إسقاط النظام من الداخل. تقوم هذه السياسة على خنق الشرايين المالية وبناء تحالفات دولية تمنع الالتفاف على العقوبات وتجفف عوائد الطاقة، مما يضع طهران أمام استنزاف مالي مركب بين كلفة تمويل أذرعها الإقليمية والانهيار المتسارع لقيمة العملة والقدرة الشرائية في الداخل.
وفي المشهد السوداني الراهن، تنعكس هذه الظاهرة بأقسى صورها؛ إذ يمثل الصراع العسكري مرحلة التهام ما تبقى من عظام الدولة بعد تدمير القطاع الإنتاجي وتعطيل التجارة والاعتماد على تقاسم الموارد الشحيحة كاقتصادات الذهب والموانئ. إن أي سلطة عسكرية أو عقائدية لا تملك القدرة على إطعام مجتمعها وتثبيت عملتها محكومة بالفشل الحتمي؛ فالترسانات العسكرية تظل أدوات معلقة في الهواء ما لم تستند إلى قاعدة إنتاجية تحميها من السقوط أمام الانفجارات الشعبية.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن هذا التآكل الاقتصادي الممنهج يرسم ملامح التغيير الداخلي عبر مسارات حتمية تتراوح بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يتمثل السيناريو الأول في الانفجار المعيشي الواسع، حيث تؤدي موجات الغلاء وفقدان السلع الأساسية إلى كسر حاجز الخوف لدى الجماهير وخروج تظاهرات عفوية تتجاوز قدرة القبضة الأمنية المنهكة على القمع. أما السيناريو الثاني فيتمثل في تصدع شبكات الولاء والانشقاق النخبوي، إذ تعجز السلطة عن الاستمرار في تمويل أجهزتها البيروقراطية والأمنية، مما يدفع مراكز القوى الداخلية إلى التخلي عن رأس الهرم السياسي لإنقاذ مصالحها الاقتصادية المتبقية. بينما يبرز السيناريو الثالث في التآكل البطيء المؤدي إلى شلل الدولة وعجزها الوظيفي، حيث تفقد السلطة السيطرة الفعلية على المرافق الحيوية لتتفكك تدريجياً وتفسح المجال لقوى التغيير المجتمعي لفرض واقع سياسي جديد ينطلق من واقع البحث عن البقاء واستعادة مقومات الحياة.