مبادرة الرئيس محمد حمدان لحل النزاع بين الأشقاء في مقاطعة هيبان

الباشا طبيق
يكتب✍️ /
مبادرة الرئيس محمد حمدان لحل النزاع بين الأشقاء في مقاطعة هيبان
إن المبادرة التي أطلقها الرئيس محمد حمدان لرأب الصدع وإنهاء النزاع بين الأشقاء في مقاطعة هيبان بإقليم جنوب كردفان/جبال النوبة، تمثل موقفاً وطنياً مسؤولاً، وتجسد عمق العلاقات الاستراتيجية التي تجمع مكونات تحالف السودان التأسيسي، كما تعكس اهتمام الرئيس المتعاظم بحماية النسيج الاجتماعي، وإعلاء قيم السلام، وإيقاف نزيف الدم، ووضع حد لمعاناة المواطنين الذين أنهكتهم الحروب والنزاعات.
وتأتي هذه المبادرة انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الخلافات بين أبناء الوطن الواحد لا ينبغي أن تتحول إلى صراعات مفتوحة تستنزف الأرواح والموارد، وأن ما يجمع الأشقاء من تاريخ مشترك وروابط اجتماعية وجغرافية ومصالح مشتركة أكبر بكثير من أي خلاف عابر يمكن معالجته بالحوار والحكمة وإعلاء مصلحة المجتمع.
إن الاستجابة السريعة من أطراف النزاع، وقبولهم بالمبادرة، وإعلان وقف إطلاق النار والعدائيات، والالتزام بنبذ خطاب الكراهية والتراشق الإعلامي، تمثل خطوة شجاعة ومسؤولة، وتؤكد أن الروابط التاريخية والاجتماعية بين الأطورو والشوايا والتيرا أعمق وأقوى من محاولات بث الفرقة والاقتتال.
وما حدث في هيبان ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره سحابة صيف عابرة، لا يجوز أن تنجح في تمزيق النسيج الاجتماعي أو إضعاف وحدة أبناء المنطقة، ولا أن تتحول إلى مدخل لإعادة إنتاج صراعات الماضي. فالمرحلة التي يعيشها السودان تتطلب من الجميع إغلاق أبواب الفتنة، وتحصين المجتمعات المحلية، وتجريم خطاب التحريض والكراهية، والاحتكام إلى الحوار الأهلي والسياسي باعتباره الطريق الأمثل لمعالجة الخلافات.
كما أن هذه المبادرة تأتي في مواجهة إرث طويل من سياسات فرق تسد التي اتبعتها السلطة المركزية في الخرطوم وبورتسودان عبر السنوات الماضية، والتي ساهمت في تأجيج النزاعات الاجتماعية واستغلال الانقسامات القبلية لخدمة أهداف سياسية وأمنية، بدلاً من بناء دولة المواطنة المتساوية التي تحمي جميع مكوناتها دون تمييز.
لقد أثبتت التجارب أن النزاعات القبلية لا رابح فيها؛ فالرابح الحقيقي هو من ينجح في إيقاف الحرب قبل أن تتسع دائرتها، ويحفظ الأرواح قبل أن تُزهق، ويمنع الثأر قبل أن يتحول إلى دورة جديدة من العنف يصعب إيقافها.
ومن هذا المنطلق، فإن مبادرة الرئيس محمد حمدان ليست مجرد وساطة لاحتواء نزاع محلي، وإنما هي رسالة سياسية واجتماعية أوسع تؤكد أن مشروع التغيير وبناء السودان الجديد لا يمكن أن يقوم على الكراهية والانتقام والانقسام، وإنما على المصالحة، والعدالة، والتعايش، واحترام التنوع، وردم الفجوات بين مكونات المجتمع السوداني.
ولم تكن مبادرات الرئيس محمد حمدان في مجال إصلاح ذات البين وليدة اللحظة أو مرتبطة بالحرب الحالية؛ فقد سبق له أن اضطلع بأدوار ومبادرات هدفت إلى احتواء النزاعات ومعالجة الخلافات بين المكونات الاجتماعية، وساهم في جهود السلام والمصالحات في عدد من مناطق السودان، بما في ذلك دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، إلى جانب ما ارتبط بعملية السلام السودانية التي أفضت إلى اتفاق جوبا للسلام.
إن رجل الدولة الحقيقي هو من يستطيع أن ينتصر للسلام في اللحظة التي يعلو فيها صوت السلاح، وأن يمد جسور التواصل عندما تتسع مساحات القطيعة، وأن يضع مصلحة المواطنين فوق الحسابات الضيقة. ومن هذه الزاوية، فإن مبادرة الرئيس محمد حمدان في هيبان تستحق الدعم والمساندة من كل القوى الوطنية والاجتماعية الحريصة على حقن الدماء وصون وحدة المجتمع.
إن السلام ليس ضعفاً، والمصالحة ليست تراجعاً، وإصلاح ذات البين ليس انحيازاً لطرف على حساب آخر؛ بل هي شجاعة سياسية وأخلاقية وانتصار للإنسان.
وإذا كان السودان يبحث اليوم عن طريق للخروج من دوامة الحروب والانقسامات، فإن مثل هذه المبادرات ينبغي أن تجد الدعم والتشجيع، وأن تتحول من مبادرات فردية إلى نهج وطني دائم لمعالجة النزاعات وبناء السلام الاجتماعي.
إن مبادرة الرئيس محمد حمدان في هيبان تؤكد أن السلام يبدأ من الإنسان، وأن حماية الدم السوداني يجب أن تكون فوق كل اعتبار.
وبقدر ما أثبتته هذه المبادرة من اهتمام حقيقي بإصلاح ذات البين ووقف نزيف الدم، فإنها تعزز الدعوات المطالبة بتقدير الأدوار السودانية والإقليمية التي تُبذل في سبيل السلام، ومن بينها الدعوة إلى تكريم الشخصيات التي تكرّس جهودها لإنهاء النزاعات وحماية المدنيين؛ وفي هذا السياق ترى كثير من الشعوب السودانية أن سجل الرئيس محمد حمدان في الوساطات والمصالحات يستحق أن يحظى بتقدير دولي واسع، وصولاً إلى طرح اسمه لجائزة نوبل للسلام تقديراً للجهود المبذولة في مسار السلام والمصالحة.
هيبان اليوم أمام فرصة تاريخية: أن تحول جراحها إلى بداية للمصالحة، وخلافاتها إلى درس في التعايش، وأن تثبت أن الأشقاء مهما اختلفوا قادرون على أن يجلسوا إلى طاولة واحدة، وأن ينتصروا للحياة على الموت، وللسلام على الحرب، وللمستقبل على مرارات الماضي.
السبت 22/أغسطس
2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.