من الاستقرار إلى البحث عن البقاء.. كيف أفقرت الحرب “الطبقة الوسطى” في السودان؟

 

لم تقف الحرب في السودان عند كونها مواجهة عسكرية أوقفت المصانع والأسواق وأغلقت المؤسسات فحسب، بل امتدت آثارها إلى بنية المجتمع، ودفعت شرائح كانت حتى وقت قريب قادرة على إعالة أسرها والإثفاق على التعليم والصحة والسكن إلى سباق يومي من أجل تأمين الاحتياجات الأساسية.

وبينما تتسع دائرة الفقر نتيجة فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع النشاط الاقتصادي، تبدو الطبقة الوسطى السودانية من أكثر الشرائح تعرضاً للاستنزاف؛ موظفون ومهنيون ومعلمون وأصحاب أعمال صغيرة، وجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع اقتصادي لم تعد فيه المهنة أو الوظيفة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار. وبعد دخول الحرب عامها الرابع، لم يعد السؤال مقتصراً على حجم الخسائر الاقتصادية المباشرة، وإنما أصبح أكثر ارتباطاً بمصير الأسر التي فقدت مصادر دخلها ومدخراتها ومساكنها وأعمالها، واضطرت إلى إعادة ترتيب حياتها للحفاظ على حياتها فقط.

طبقة تتآكل:

وفي هذا الصدد يرى المحلل الاقتصادي كمال كرار أن ما حدث للطبقة الوسطى بدأ قبل اندلاع الحرب، وأشار إلى أن سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة وفقدان الوظائف وتصاعد التضخم أدت إلى إضعاف هذه الطبقة تدريجياً، قبل أن تأتي الحرب لتدفع أعداداً أكبر منها إلى الفقر.

ويقول كرار في حديث لـ(مداميك) إن الحرب دفعت غالبية الفقراء ومن كانوا على حافة الفقر إلى الفقر المدقع، فيما لم تعد الطبقة الوسطى، أو ما يُعرف بالبرجوازية الصغيرة، في موقعها السابق، بل أصبح أغلبها، بحسب تقديره، في عداد الفقراء، وجزءاً من هذه الشريحة يرى أنه تمكن من الصعود إلى سلم الثراء، عبر الانتماء السياسي وممارسات مرتبطة بالفساد.

ويعرّف كرار الطبقة الوسطى باعتبارها فئة تقع في منتصف الهرم الاجتماعي والاقتصادي، وتضم أصحاب الدخول المتوسطة والوظائف المكتبية والمهن الحرة والمعلمين والمهندسين والموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة، ممن يفترض أن يتمتعوا بمستوى معيشي مستقر يوفر الاحتياجات الأساسية ويتيح فائضاً للادخار.

غير أن هذا الشرط، بحسب كرار، لم يعد متوافراً منذ فترة طويلة حتى قبل الحرب، وأشار إلى أن قطاعات من الموظفين والعمال والحرفيين والمهنيين فقدت تدريجياً قدرتها على الادخار والاستقرار.

ويستند في ذلك إلى أرقام رسمية يقول إنها تشير إلى أن عدد العاملين من الموظفين والعمال في الوحدات والوزارات الحكومية الاتحادية يبلغ نحو (106) ألف، مع توصية بتقليص ( 60%) منهم، مقارنة بـ (320) ألف عامل قبل انقلاب 1989. وأوضح أن هذا الانكماش يعكس تراجع الطبقة الوسطى أفقياً ورأسياً سواء من حيث حجمها أو قدرتها على الحفاظ على مستوى المعيشة السابق.

الحرب تعمّق الانهيار:

لكن الحرب، وفق كرار، نقلت الأزمة إلى مستوى أكبر، فلم تؤثر فقط على الناتج المحلي، وإنما أدت لانهيارا في دخول الأسر ومستوى المعيشة والقوة الشرائية، وحولت أولويات الإنفاق من التعليم والصحة إلى الغذاء والدواء ومتطلبات البقاء. ونبه إلى أن فقدان الوظائف والأعمال الصغيرة والزراعة والتجارة والنقل والخدمات يمثل أحد أخطر آثار الحرب على الأسر.

وبحسب التقديرات التي يستند إليها، فقد السودان نحو (4.6) مليون وظيفة خلال فترة الصراع، فيما خلص تحليل لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 إلى أن متوسط الدخول تراجع إلى مستويات لم يشهدها السودان منذ عام 1992، وأن نحو سبعة ملايين شخص إضافي دُفعوا إلى الفقر المدقع خلال عام 2023 وحده. ويرى كرار أن هذه التطورات تجعل من الصعب الحديث عن الطبقة الوسطى بمعناها التقليدي، قائلاً إن من كانوا يوصفون بهذه الصفة يصارعون الآن من أجل البقاء على قيد الحياة.

الطبقة الوسطى لم تختفِ.. بل تغيرت:

فيما يرى الخبير الاقتصادي د. الفاتح عثمان محجوب أن الحديث عن الطبقة الوسطى السودانية لا ينبغي أن يقتصر على العاملين في القطاعين العام والخاص، مضيفا في حديث لـ(مداميك) أن الاقتصاد

السوداني يقوم على مصادر دخل متنوعة تشمل الزراعة والثروة الحيوانية والذهب وقطاع الخدمات، إلى جانب القطاعين العام والخاص، بما فيه القطاع الصناعي.

وأشار محجوب إلى أن الحرب أحدثت تدهوراً كبيراً في سعر صرف الجنيه السوداني، بينما ظلت غالبية مرتبات العاملين في القطاعين العام والخاص قريبة من مستويات ما قبل الحرب، أو زادت بما لا يتجاوز الضعف في كثير من الحالات.

وبالتالي، يقول إن غالبية العاملين في القطاع العام خرجوا فعلياً من الطبقة الوسطى، باستثناء نسبة محدودة من أصحاب الدرجات الوظيفية العليا، في وقت تمكن فيه بعض العاملين في الزراعة والذهب والخدمات، إضافة إلى السودانيين العاملين بالخارج، من الحفاظ على دخول أفضل نسبياً.

ويختلف محجوب مع توصيف اختفاء الطبقة الوسطى، قائلاً إن ما حدث هو تحول وإحلال، ويرى أنه قد يكون مؤقتاً، إذ يمكن لعدد كبير من العاملين في القطاعين العام والخاص العودة إلى الطبقة الوسطى بمجرد انتهاء الحرب وبدء إصلاح هيكل الأجور واستقرار سعر الصرف. غير أن ذلك لا يلغي، حسب رؤيته، اتساع دائرة الفقر التي أصبحت تشمل نسبة كبيرة من العاملين في القطاع العام، وهو ما ساهم في موجة هجرة واسعة للكفاءات السودانية إلى الخارج، خاصة دول الخليج.

ويحذر من أن هذه الهجرة تمثل واحدة من أخطر مشكلات مرحلة ما بعد الحرب، لأن الدولة أنفقت موارد كبيرة على تدريب هذه الكفاءات داخل السودان وخارجه، وليس من السهل تعويضها خلال فترة قصيرة.

حين يتحول الموظف إلى عامل يومي:

من جهته، يضع الخبير الاقتصادي بالجامعات السودانية معتصم دونتاي فقدان الوظائف في قلب أزمة الطبقة الوسطى. ويقول لـ(مداميك) إن الطبقة الوسطى في السودان تتكون بدرجة كبيرة من الموظفين وأصحاب المشروعات الصغيرة، وإن الحرب دمرت المؤسسات التي يعمل فيها هؤلاء، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص.

المشروعات الصغيرة، وإن الحرب دمرت المؤسسات التي يعمل فيها هؤلاء، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص.

ويضيف أن عدداً كبيراً من موظفي القطاع الخاص جرى تسريحهم، بينما ظل آخرون في مؤسسات الدولة لكن بدخول ضعيفة لا تمكنهم من الحفاظ على مستوى معيشتهم السابق. لافتا الى ان شريحة واسعة اضطرت إلى تغيير مسارها المهني، فاتجه البعض إلى أعمال هامشية، وسافر آخرون إلى الخارج، بينما لجأ آخرون إلى الزراعة أو أنشطة اقتصادية متنوعة.

والنتيجة، وفقا لدونتاي، هي فقدان الدخول المنتظمة وتراجع قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، بما انعكس على التعليم والصحة والسكن ومستوى المعيشة. واشار إلى أن بعض الأسر أصبحت عاجزة عن إلحاق أبنائها بالمدارس، خاصة بين الأسر التي نزحت أو هاجرت إلى دول الجوار، بينما فقد أطفال آخرون سنوات دراسية أو اضطروا إلى العودة إلى السودان بعد تعذر مواصلة تعليمهم. وفي الداخل، يواجه النازحون من مناطق القتال أزمة أخرى تتمثل في فقدان المنازل وارتفاع الإيجارات في الولايات التي نزحوا إليها، خصوصاً من ليست لديهم جذور أو ممتلكات في تلك المناطق.

المدخرات تنفد:

لا يتوقف أثر الحرب عند فقدان الوظيفة؛ فالمدخرات التي كانت توفر للأسر هامشاً من الأمان استُنزفت هي الأخرى خلال سنوات الحرب. ويقول دونتاي إن المدخرات التي كانت موجودة قبل الحرب تأكلت مع استمرار النزاع ودخوله العام الرابع، فيما تراجعت الدخول إلى مستويات لم تعد تسمح للأسر بالادخار. ويضيف أن ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة جعل الأسر عاجزة عن تغطية احتياجاتها الأساسية بصورة كاملة، واشار إلى أن الموظفين، على وجه الخصوص، لم يعد لديهم هامش حقيقي للادخار. ويصف الوضع الحالي بأنه انتقال واسع من الوظيفة المستقرة إلى ” رزق اليوم باليوم” بحيث أصبح موظفون وعمال ومزارعون وأفراد من الطبقة الوسطى سابقاً يعتمدون على أعمال صغيرة ومؤقتة للحفاظ على حياتهم.

ولا تقتصر الظاهرة، بحسب دونتاي، على فئة بعينها، إذ ينوه إلى انتقال بعض أساتذة الجامعات والمعلمين والصحفيين وغيرهم من أصحاب المهن إلى أعمال هامشية، مثل البيع المتجول وبيع الخضروات وغيرها من الأنشطة التي توفر دخلاً سريعاً. الفقر لا يقيسه الدخل وحده

تكشف هذه التحولات أن أزمة الطبقة الوسطى ليست مجرد مسألة انخفاض في الراتب، وإنما تتعلق بتغير نمط الحياة نفسه.

فعندما تضطر الأسرة إلى استهلاك مدخراتها، أو التخلي عن التعليم الخاص، أو تأجيل العلاج، أو بيع ممتلكاتها، أو تغيير السكن، أو دفع أفرادها إلى العمل في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتهم، فإنها تفقد تدريجياً مقومات الاستقرار التي كانت تميز وضعها الاقتصادي. ومن هنا، فإن اتساع الفقر لا يعني فقط زيادة عدد الأسر التي لا تستطيع شراء الغذاء، وإنما يشمل أيضاً أسراً كانت قادرة على التخطيط للمستقبل وأصبحت عاجزة عن الادخار أو الاستثمار في تعليم أبنائها أو تأمين احتياجاتها الصحية.

ويرى دونتاي أن عودة الأوضاع إلى طبيعتها ستظل مرتبطة باستعادة المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص نشاطهما، وعودة الأسواق والمشروعات، وبالتالي استعادة المواطنين لوظائفهم أو توفير وظائف بديلة لهم. لكن هذه العملية، في تقديره، لن تكون سريعة، وستحتاج إلى وقت طويل وإلى سياسات اقتصادية تعالج آثار الحرب.

ما بعد الحرب.. إعادة بناء الطبقة الوسطى:

يتفق الخبراء، رغم اختلافهم في توصيف حجم الانكماش، على أن إعادة بناء الاقتصاد السوداني بعد الحرب ستكون مرتبطة باستعادة الوظائف والدخل والإنتاج. إذ يرى محجوب أن استقرار سعر الصرف وإصلاح هيكل الأجور يمكن أن يساعدا قطاعات من الموظفين والعاملين على استعادة موقعهم السابق، بينما يشدد كرار على أن حجم الضرر الذي أصاب الطبقة الوسطى يتطلب معالجة أوسع من مجرد إصلاح الأجور.

أما دونتاي، فيرى أن الدولة مطالبة بإجراء دراسات حقيقية لتشخيص حجم الضرر الذي أصاب الطبقة الوسطى، بما في ذلك المدخرات والممتلكات ومستويات الدخل والإنفاق، إلى جانب ضخ مشروعات اقتصادية وإعادة الموظفين إلى مؤسساتهم أو توفير فرص عمل جديدة لهم. وتبدو إعادة بناء الطبقة الوسطى، في جميع الأحوال، مرتبطة بإعادة بناء الاقتصاد نفسه؛ وهنا تتجاوز القضية حدود الطبقة الوسطى ليبرز سؤالاً عن شكل المجتمع السوداني بعد الحرب: هل يعود الموظف إلى وظيفته؟ وهل يستعيد صاحب المشروع رأس ماله؟ وهل تعود الأسر إلى الادخار؟ وهل يستطيع السودان استعادة الكفاءات التي غادرته؟.

بينما يرى كمال كرار أن قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى أصبحت بالفعل في عداد الفقراء، يعتقد الفاتح عثمان محجوب أن الطبقة الوسطى لم تختفِ وإنما شهدت تحولاً وإحلالاً يمكن أن يكون مؤقتاً، فيما يصف معتصم دونتاي واقعاً تتحول فيه شرائح واسعة من الموظفين والمهنيين إلى اقتصاد رزق اليوم باليوم.

وبين هذه الآراء تبرز حقيقة أن الحرب لم تستنزف دخل السودانيين فقط، بل استنزفت قدرتهم على الادخار والتخطيط للمستقبل، وهو ما يجعل إعادة بناء الطبقة الوسطى تحدي و أصعب المهام في مرحلة ما بعد الحرب.

مداميك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.