الكوز المتأسلم: كائن دنيويّ بامتياز مصاب بعمى أخلاقي مستحكم وفقر مُدقِع في الضمير

 

الصادق حمدين

الكوز المتأسلم كائن مجرم بالفطرة، يفوق الشيطان خبثاً ويضارع إبليس اللعين إغواءً، ويتقن إخفاء جرائمه خلف ستار الصمت والنسيان والتجاهل، ويجيد في خبث تحطيم كل من يخالفه الرأي أو يعارض مشروعه الإقصائي، حتى يغدو ضحاياه منهكين بالقهر، مسلوبي الإرادة والكرامة، مثقلين بجراح هزيمة معنوية لا تُرى. وكأنهم أصيبوا بمتلازمة “استوكهولم” فانحازوا إلى الجاني بدلاً من الثورة عليه.
وما نراه من أفعال هذا الكائن الضال في نفسه والمُضِلُ لغيره ليس إلا جانباً من حقيقة تبدو أبشع مما نتخيل. فهو يجيد ارتداء أقنعة الورع والتقوى والاستقامة، يلبس العمامة، ويسدل رداء النفاق ليخفي تحته جبالاً من الخطايا والقبح والرزايا، فتلقاه نهاراً عابداً متعبداً قانتاً، باسم الثغر، متخشع الملامح، بينما تكشف عتمة الليل وجهاً آخر: عربيداً، كاذباً، مخموراً سكيراً، فاسداً ومفسداً، لا يتورع عن الظلم أو القتل وارتكاب الموبقات متى اقتضت مصلحته ذلك. ومع هذا كله، فإننا لا نتخذ من الاستثناء قاعدة، ولا نعمم الحكم على كل من ينتمي إلى هذا الوصف، وإنما نتحدث عن نموذج صنع من النفاق منهجاً، ومن الدين ستاراً لممارسة أبشع الجرائم.

وما الكوز، في حقيقته، إلا عبد للدنيا، وإن ادّعى الزهد فيها، وأسير لشهواتها، وإن أكثر الحديث عن نعيم الآخرة. يسبّح باسم الفضيلة إذا كان في التسبيح ربح، ويتحدث عن التقوى إذا كانت التقوى سلماً إلى سلطان ومال وجاه، ويملأ الدنيا ضجيجاً عن الورع، فإذا خلا إلى نفسه لم يكن بينه وبين الطمع حاجز، ولا بينه وبين المال الحرام وازع. إنه لا يرى في الدين رسالة تسمو بالإنسان، بل يراه سلعة سياسية يروجها في أسواق العامة، كلما كسدت بضاعته، أو ضعفت حجته، أو تهاوت شرعيته.
وليس أخطر على الأديان من قوم جعلوا منها وسيلة إلى الدنيا، فخلطوا بين قداسة الوحي، ودناءة المطامع، حتى إذا سمعهم البسطاء ظنوا أن الله يتحدث بألسنتهم ويأتمر بأمرهم، وأن الحق لا يخرج من أفواه سواهم. وهكذا استطاعوا أن يستثمروا عاطفة الناس الدينية، لا ليقيموا عدل، ولا ليبنوا وطن، وإنما ليشيدوا عروش من الامتيازات فوق أنقاض الأوطان.

ولذلك لم تكن العبارة الدارجة التي تداولها الناس عبثاً حين قالوا: “الكيزان دخلونا الجوامع ودخلوا السوق.” فقد لخصت هذه العبارة، في إيجاز العامة الذي يعجز عنه إسهاب الخطباء، مأساة مرحلة كاملة؛ مرحلة خرج فيها الناس من المساجد بقلوب عامرة بالإيمان، بينما خرج المتاجرون بالدين إلى الأسواق يجمعون المال الحرام، ويقتسمون النفوذ، ويوزعون المناصب، ويشيّدون الثروات باسم المشروع الحضاري وفقه التمكين، حتى غدا المشروع كله سوقاً كبيرة، لا مكان فيها إلا لمن يملك الولاء، ولا قيمة فيها إلا لمن يحسن التزلف والنفاق.

إن الكوز لا يعرف للدنيا سقفاً يقف عنده، ولا لشهواتها حداً يردعه. ولا يعرف للتقسيم المعنوي للأشياء بين حلال وحرام حداً، فإن وجد المال في خزائن الدولة اقتطعه لنفسه بنهم، وإن وجده في عرق الفقراء امتصه، وإن وجده في قوت اليتامى لم يتردد في انتزاعه. فهو لا ينظر إلى المال على أنه أمانة، وإنما يراه غنيمة، ولا ينظر إلى السلطة على أنها تكليف، وإنما يعدها باباً واسعاً إلى الثراء والنفوذ. فإذا رأيته يحدث الناس عن القناعة، فاعلم أنه يخفي خلف خطابه حسابات لا تعرف القناعة، وإذا رأيته يذم الترف، فانظر إلى قصوره وسياراته وأسفاره وما أحل الله له من النساء حتى الرابعة، ومازاد عن ذلك من خليلات وعشيقات، وما جادت به “شوارع العهر” من سقط متاع بشري لا يهم إن كان غلاماً أو إمرأة. وهنا تنكشف حقيقته بين القول والفعل.

ثم إن الكوز لا وطن له إلا حيث تكون جماعته، ولا راية له إلا حيث ترتفع راية التنظيم. فهو لا يقيس الأشياء بميزان الوطن، وإنما بميزان الجماعة؛ فإن تعارضت مصلحة البلاد مع مصلحة التنظيم، قدّم التنظيم غير هياب، وإن اقتضى الأمر أن يحترق الوطن ليبقى المشروع، فلا بأس عنده أن يحترق الحجر والبشر جميعاً. فحدود الأوطان عنده خطوط على الخرائط، أما حدود الجماعة فهي العقيدة التي لا يجوز الاقتراب منها.

ومن هنا كان الكوز أقرب إلى من يشاركه الانتماء الفكري في أقصى الأرض، من قربه إلى أبناء وطنه الذين يختلف معهم في الرأي. فلا يرى في رابطة الوطن ميثاقاً جامعاً، ولا في التاريخ المشترك عهداً يلزمه، بل يرى أن الانتماء التنظيمي يسمو على كل انتماء، وأن الولاء للجماعة يسبق الولاء للأرض والناس والأهل. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يهون عليه خراب المدن، أو تمزيق النسيج الوطني، أو إضعاف مؤسسات الدولة، ما دام في ذلك خدمة لمشروعه الضلالي، أو حفاظ على سلطانه.

ولو كان الإيمان قد وجد إلى قلبه سبيلاً، لما خان أمانة، ولا سرق مالاً، ولا كذب على شعب، ولا نافق في قول، ولا غدر في عهد، ولا استباح دماً، لأن الإيمان ليس شعاراً يرفع، ولا لحية تطول، ولا جبيناً تعلوه علامة السجود، وإنما هو خلق ينهى صاحبه عن الفحشاء والمنكر، وعدل يمنعه من الظلم، وضمير يحجزه عن الخيانة. أما إذا غاب كل ذلك، فما بقي إلا قشرة الدين، وأما اللب فقد أكلته شهوة السلطة.

وليس الكوز شجاعاً إلا على من لا يملك سيفاً، ولا جباراً إلا في مواجهة الأعزل. فإذا واجه ضعيفاً زمجر وأرعد وأزبد، وإذا وقف أمام صاحب قوةٍ لان صوته، وخفت بطشه، وانكمشت شجاعته، وهز ذيله كـ جروِ مطيع، فهو كائن يعيش على استعراض القوة لا على امتلاكها، ويقتات من إرهاب البسطاء، لأنه يعلم أن المستبد لا يقوى إلا حيث يغيب القادر على ردعه. كما أن الكوز شحيح بخيل، مغترّ بأهله، قاطع لرحمه، يبخل في مواضع الحق، ويُسرف في الإنفاق على شهوات بطنه وفرجه.

وهكذا يظل الكوز منتفخاً بألقاب الوهم والبطولات الزائفة، حتى إذا جاءت ساعة الحقيقة، انكشف خواء الادعاء، وسقط القناع الذي طالما أخفى به وجهه الحقيقي.

إن الأمم لا تسقط حين يقل المال، ولا حين تضعف الجيوش، وإنما تسقط حين يصبح النفاق عقيدة سياسية، والكذب وسيلةً للحكم، والمتاجرة بالدين طريقاً إلى السلطان. وحينئذ لا يعود الخراب طارئاً، بل يصبح نظاماً قائماً، ولا يعود الفساد انحرافاً، بل يغدو فلسفة في إدارة الدولة.

وإذا كان للطغيان وجوه كثيرة، فإن أقبحها ذلك الوجه الذي يتوضأ قبل أن يسرق، ويخطب في الناس عن التقوى قبل أن يخون، ويرفع المصحف بيد، بينما يوقع باليد الأخرى على صكوك الظلم والنهب والاستبداد. فذلك هو النفاق في أكمل صوره؛ أن تستعير المقدسات لتستر بها الموبقات، وأن تجعل اسم الله جسراً تعبر فوقه إلى خزائن الدنيا وملذاتها.

وهذه هي مأساة الكوز، أنه لم يخدع الناس وحدهم، بل خدع نفسه أيضاً، حتى حسب أن الدين يُقاس بكثرة الشعارات، وأن الإيمان يُختزل في المظاهر، وأن الله يمكن أن يُخدع كما يُخدع البشر. غير أن التاريخ لا يحفظ الأقنعة، وإنما يحفظ الوجوه جيدا، ولا يخلد الشعارات، وإنما يخلد الأفعال، وسيبقى كل سلطانٍ قام على النفاق أثراً بعد عين، شاهداً على أن الدين الذي يُستغل في خدمة الدنيا لا يورث إلا خراب الدنيا، وخسران الآخرة. فالكوز كوز وإن طالت لحيته وبانت زبيبته. واستكرش بطناً، ونتأت مؤخرته سحتاً.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.