سجن دعاة السلام.. الجيش السوداني يكتم أنفاس رافضي الحرب بيد القضاء

سجن دعاة السلام.. الجيش السوداني يكتم أنفاس رافضي الحرب بيد القضاء

 

هشام الغنيمي
حكم بالسجن أصدره القضاء السوداني بحق صيدلي 6 سنوات بعد دعوته إلى وقف الحرب سلط الضوء على نهج متصاعد للجيش السوداني في ملاحقة الأصوات الرافضة لاستمرار القتال.

وفي ظل استمرار الحرب في السودان، لا تبدو قضية سجن الصيدلي أحمد سليمان أحمد الوقيع، بعد إبدائه رأيًا داعيًا إلى وقف القتال، واقعة معزولة، بل تأتي ضمن نمط أوسع من ملاحقة أصوات ترفض استمرار الحرب وتدعو إلى السلام، بما يفتح الباب أمام انتقادات لاستخدام القضاء في التضييق على المعارضين للحرب وإسكات الرأي الآخر، وفق ما يؤكده خبيران في الشأن السوداني لـ«العين الإخبارية».

تفاصيل الحكم
وقضت محكمة جنايات الأبيض بولاية شمال كردفان، الأحد، بسجن الطبيب الصيدلي أحمد سليمان أحمد الوقيع لمدة 6 سنوات، بعد إدانته بموجب المادة 51 من القانون الجنائي، والمادتين 19 و24 من قانون جرائم المعلوماتية.

وبدأت القضية، بحسب رواية محاميه، بعد نقاش بشأن الضرائب، قبل تفتيش هاتفه والعثور على محادثات خاصة تتناول الأوضاع في السودان وموقفه من الحرب.

وقال المحامي عثمان صالح إن فريقاً من جهاز المخابرات العامة أوقف الوقيع بعد تفتيش هاتفه، وإنه عثر على محادثة يبدي فيها رأيه بشأن الحرب وضرورة إيقافها.

وأوضح أن المحكمة قضت بالسجن 3 سنوات بموجب المادة 51، مع مصادرة أمواله، وسنتين بموجب المادة 19 من قانون جرائم المعلوماتية، وسنة بموجب المادة 24، على أن تسري العقوبات بالتتابع.

وأعربت لجنة صيادلة السودان المركزية عن قلقها إزاء الحكم، وطالبت بمراجعة مشروعية تفتيش هاتف الوقيع وسلامة الأدلة والإجراءات التي استندت إليها الإدانة، إلى جانب ضمان حقه في الطعن وكفالة ضمانات المحاكمة العادلة.

تضييق كامل على الحريات

وفي هذا الإطار، قال الخبير في الشأن السوداني شوقي عبدالعظيم في حديث لـ«العين الإخبارية» إن ظروف الحرب «تحدث تضييقاً كاملاً على الحريات وعلى الرأي»، معتبراً أن هناك محاولة لأن «يكون هناك صوت واحد فقط يؤيد هذه الحرب وينادي باستمرارها لتحقيق أهداف سياسية».

وأضاف أن الرافضين للحرب «يتم توصيفهم من قبل الجيش بأنهم عملاء، وبأنهم خونة، وبأنهم ضد الوطن، وبأنهم بلا وطنية»، وقال إن القضاء والعدالة يُستخدمان، بحسب تقديره، «لتحقيق هذا الغرض والهدف السياسي».

واعتبر عبدالعظيم أن الحكم الصادر بحق أحمد الوقيع «لا يخرج من هذا الإطار»، مشيراً إلى أن «كثيرين كثر» صدرت بحقهم أحكام بالسجن والإعدام وأحكام مختلفة عندما أعلنوا آراء مخالفة لاستمرار الحرب أو لما يحدث على الأرض.

وقال إن هؤلاء لديهم رأي بأن «الحرب دمرت واقع السودانيين وشردتهم وقتلتهم، وأنها بلا نتيجة ولم تُجدِ في أي شيء»، معتبراً أن ذلك يمثل «تضييقاً كاملاً على الحريات وتضييقاً كاملاً على الرأي الآخر».

وأضاف أن السودان، وفق وصفه، «عاد إلى النظام القديم، نظام البشير»، معتبراً أن الوضع الحالي «أشبه بتلك الفترة والتحكم في رأي الناس وفي مواقفهم والتي لم تنفع نظام البشير ولن تنفع الجيش أيضا».

ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت الدعوة إلى السلام تُعامل باعتبارها موقفاً معادياً للجيش، قال عبدالعظيم: «نعم، بكل تأكيد».

وأوضح أن «أي موقف أو دعوة للسلام هو موقف معادٍ للجيش، ومعادٍ للحركة الإسلامية وكتائبها، ومعادٍ للمستثمرين في الحرب»، بحسب تعبيره.

وأضاف: «يحاولون قدر الإمكان اتهام الآخرين، وأي شخص ينادي بالسلام يضعونه في قائمة الخائن والعميل وهكذا».

القوانين في خدمة الحرب
وعن استخدام قوانين الأمن وجرائم المعلوماتية في ملاحقة الأصوات المعارضة لاستمرار الحرب، قال عبدالعظيم إن ذلك «سيؤدي إلى مزيد من الانتهاكات لحقوق المواطنين ومحاولة قمع الآخرين واستغلال مسألة الحرب نفسها لتمرير صوت واحد على الرأي العام السوداني».

وأضاف أن ذلك «في الآخر سيؤدي إلى مشكلة أكبر، ويؤدي إلى صراعات أكبر داخل المجتمع».

تأثير الملاحقات على التسوية السياسية
ورأى عبدالعظيم أن ملاحقة الأصوات الداعية إلى وقف الحرب تؤثر في فرص الوصول إلى تسوية سياسية، موضحاً أن هذه الملاحقات تأتي مصحوبة بـ«اتهامات بالعمالة، واتهامات بالخيانة، واتهامات مضادة للدولة وعدم الوطنية».

وقال إن الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل يمتد إلى «اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع وأشياء كثيرة جداً تطرأ في هذا الاتجاه»، مشيراً إلى أن «هناك من حُكم عليه بالإعدام».

وأكد أن هذه الممارسات «لها تأثيرات على السلم والأمن المجتمعي داخل المجتمع نفسه»، وأنها تؤدي إلى أن «تصبح هناك حسابات تتم عبر هذه الاتهامات».

«القضاء» في مواجهة المعارضين للحرب
وعن استخدام الجيش للقضاء لفرض استمرار الحرب على الرافضين لها، قال عبدالعظيم: «نعم، هو الآن يستخدم العدالة، ذراع العدالة، ضد المعارضين للحرب».

وأضاف أن العدالة تُستخدم، بحسب رأيه، «ضد المعارضين للحرب وضد الخصوم السياسيين للداعمين لهذه الحرب، وخاصة الحركة الإسلامية».

الأحكام والنتائج العكسية

وحول ما إذا كانت الأحكام القضائية ستردع المواطنين عن التعبير عن مواقفهم بشأن السلام، قال عبدالعظيم: «أبداً، بالعكس».

وأوضح أن استخدام العدالة وأجهزة الدولة ضد «المعارضين السياسيين وأصحاب المواقف السياسية من الحرب» بدأ «بصورة تتضح للناس»، معتبراً أن ذلك «يؤدي إلى نتائج عكسية».

وقال إن الناس «بدأوا يفهمون أن هذه الحرب مستهدف بها هو، وأنها استهداف سياسي»، مضيفاً أن الناس «بدأوا يفهمون أن هذه الحرب حرب سياسية».

وربط عبدالعظيم ذلك بما وصفه بقول قوى سياسية «كل يوم إنها لإعادة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية للسلطة»، مضيفاً: «لذلك الآن يستغلون هذه الحرب لمكافحة الخصوم».

واعتبر أن «هذه الطريقة مجربة، جربها البشير من قبل ولم تكن نافعة».

عقوبات دولية محتملة
وحول احتمال أن تقود هذه الإجراءات إلى عقوبات جديدة على السودان من مجلس حقوق الإنسان أو منظمات دولية، قال عبدالعظيم إن السودان «فيه حرب كبيرة»، وإن العقوبات «أصلاً مرتبطة بالانتهاكات الحالية».

وأضاف: «السودان الآن واقع تحت عقوبات كبيرة وكثيرة، وهناك انتهاكات كبيرة جداً هي كفيلة بأن تجر عليه، لكن لا أعتقد أن هذه يمكن أن تجلب عقوبات جديدة».

استهداف المواطنين بسبب آرائهم
وفي سياق متصل، أكدت الخبيرة في الشأن السوداني أسماء الحسيني لـ«العين الإخبارية» أن «المواطنين السودانيين تعرضوا لأعداد كبيرة من الأذى والتعقب في مناطق الحرب، بغير ذنب ولا جريرة».

وشددت على ضرورة «إيقاف ووقف استهداف المواطنين السودانيين في كل مكان في السودان»، مؤكدة أن المواطنين «هم الذين يقع عليهم عبء الحرب».

وأضافت أن «أي دعوة لإيقاف الحرب أو أي كلام في السياسة أو أي انتماء حزبي لا يبرر على الإطلاق أن يتم استهداف الأشخاص».

ووصفت الحرب بأنها «كارثية ومدمرة ودموية بكل معنى الكلمة»، وقالت إنها «آذت ملايين المواطنين السودانيين بأشكال مختلفة وجعلتهم جميعاً تحت طائلة التشرد والنزوح والمعاناة الجسيمة على كل الأصعدة، الجوع والمرض والملاحقات من كل جانب».

وأكدت الحسيني أن «هذه الحرب يجب أن تتوقف اليوم قبل غد»، مشيرة إلى أن الشعب السوداني «ملايين من أبنائه يدفعون الثمن بغير ذنب ولا جريرة»، ومطالبة بوقف «كل الإجراءات غير القانونية واستهداف المواطنين بسبب آرائهم».

صوت السلام يتسع
وحول التعامل مع الدعوة إلى السلام باعتبارها موقفاً سياسياً معادياً للجيش، قالت الحسيني إن الإجراءات بحق المواطنين «يجب أن تتوقف»، مؤكدة أن هناك أشخاصاً «يتم، للأسف، استهدافهم بسبب انتمائهم السياسي أو بسبب نشاطهم الاجتماعي والإنساني».

وأضافت أن «الدعوة للسلام هي الدعوة التي تنمو يوماً بعد آخر في السودان وتتسع دائرتها»، مشيرة إلى أن الشعب السوداني «يدرك أن هذه الحرب لا طائل من ورائها».

ورأت الحسيني أن إعلاء صوت الدعوة إلى وقف الحرب ووحدة الشعب السوداني «سيكون له يوماً بعد آخر الصوت الأعلى، رغم خطابات الكراهية ورغم الإجراءات، للأسف، المتعسفة التي تعرقل وقف الحرب».

وقالت إن هذه الدعوة «تكتسب أرضية يوماً بعد آخر، وسيكون لها المستقبل»، لأن الشعب السوداني «يدرك يوماً بعد آخر أن استمرار هذه الحرب هو استمرار مكلف جداً، ومكلف لحياة المواطنين ووحدة بقاء السودان موحداً».

وحذرت من أن استمرار الحرب، في ظل الإجراءات المتخذة على الأرض في مناطق السودان، يجعل «خيار الانفصال أو التقسيم أو التشظي» وارداً، مؤكدة أن الدعوة إلى وقف الحرب «مهمة، وتكتسب أهمية أخلاقية وأهمية على جميع الأصعدة».

وأضافت أن لهذه الدعوة «دوراً متنامياً في الوقت الحالي وفي المستقبل من أجل الحفاظ على وحدة البلد وعلى أرواح المواطنين»، لأن «استمرار الحرب له تكلفة باهظة جداً على كل الأصعدة».

سجن دعاة السلام.. الجيش السوداني يكتم أنفاس رافضي الحرب بيد القضاء (خاص) – صورة 1

استهداف واسع لأصحاب الآراء
وفيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير، قالت الحسيني إن «مطلوب من كل الأطراف التروي في اتخاذ مثل هذه الإجراءات التي يمكن أن تكون منافية للقوانين والأعراف الدولية، وللأعراف حتى في داخل السودان، وأن يتم التراجع عنها».

وأكدت أن القضية «ليست حالة فردية»، مشيرة إلى وجود «حالات عديدة، وللأسف، في كل مناطق السودان، لاستهداف المواطنين بسبب آرائهم وتعريض حياة البشر في السودان، سواء رجالاً أو نساءً، للخطر».

وقالت إن الاستهداف طال «نساءً بسيطات جداً، مثل ستات الشاي ونساء عاديات»، بسبب اتهامات بالتعامل مع قوات الدعم السريع إذا دخلت مناطقهم، أو مع الجيش في حالات أخرى، فضلاً عن الناشطين والعاملين في المجال الإنساني ولجان المقاومة السابقة والثوار السابقين وغيرهم من المواطنين السودانيين.

وشددت على أن «كل الأطراف يجب أن تلتزم بالقانون»، محذرة من أن عدم الالتزام «بالقوانين والإجراءات السليمة سيولد إحباطاً، وسيولد آثاراً كارثية».

وأضافت أن من بين المستهدفين أشخاصاً تعرضوا للاستهداف على خلفيات قبلية، مؤكدة أن «كل هذه الأمور يجب أن تتوقف»، خصوصاً مع الحديث عن «حوار داخلي وعن رغبة في تحقيق السلام المجتمعي وتحقيق التوافق».

سجن دعاة السلام.. الجيش السوداني يكتم أنفاس رافضي الحرب بيد القضاء (خاص) – صورة 2

الحرب وحق التعبير
ويضع الحكم الصادر بحق أحمد الوقيع، وفق ما ورد في رواية محاميه ولجنة الصيادلة، قضية التعبير عن المواقف من الحرب أمام اختبار جديد، بعدما تحولت محادثات خاصة تتناول الحرب إلى قضية انتهت بحكم بالسجن 6 سنوات.

وقد طالبت لجنة صيادلة السودان بمراجعة مشروعية تفتيش هاتفه وسلامة الأدلة والإجراءات، وضمان حقه في الطعن والمحاكمة العادلة.

وبينما تؤكد الحسيني أن «استهداف المواطنين بسبب آرائهم» يجب أن يتوقف، يرى عبدالعظيم أن ملاحقة الرافضين لاستمرار الحرب تضيق مساحة الرأي وتدفع نحو نتائج عكسية.

فيما يؤكد الخبيران أن الدعوة إلى وقف القتال تتسع داخل المجتمع السوداني، وأن استمرار الحرب يفاقم كلفتها على المدنيين وعلى مستقبل البلاد.

العين الاخبارية

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.