فاتورة الانهيار: الجنيه السوداني .. التآكل يعيد صياغة معاش الناس في مناطق سيطرة الجيش؟
فاتورة الانهيار:
الجنيه السوداني .. التآكل يعيد صياغة معاش الناس في مناطق سيطرة الجيش؟
لم يعد الجنيه السوداني مجرد رقم يتغير على شاشات أسعار الصرف، ولا الدولار مجرد سلعة يتابعها التجار والمضاربون في الأسواق. خلال سنوات الحرب، انتقلت أزمة العملة من صفحات الاقتصاد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح انهيار الجنيه يُقاس بطريقة أكثر قسوة: بعدد الوجبات التي تستطيع الأسرة توفيرها، وبما يتبقى من الراتب بعد شراء الغذاء، وبقدرة الموظف على دفع إيجار منزله، وبما إذا كان المريض يستطيع شراء دوائه، والطالب مواصلة دراسته. في السودان، لم يعد السؤال بالنسبة إلى ملايين الأسر هو كم بلغ سعر الدولار اليوم، وإنما كم يستطيع الجنيه الذي في الجيوب أن يشتري غداً؟ وهذه هي النقطة التي يصبح عندها تراجع العملة أكثر من أزمة نقدية، فهو يتحول إلى أزمة معيشة، ثم إلى أزمة اجتماعية، ثم إلى إعادة ترتيب كاملة لأولويات الأسرة السودانية في مناطق سيطرة البرهان.
الخرطوم: راينو
مناطق البرهان
تبدو الصورة أكثر وضوحاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، التي تشمل مساحات واسعة من شمال وشرق ووسط البلاد، بينها ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف ونهر النيل والشمالية، فضلاً عن الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وسنار وبعض النيل الأزرق..
ورغم تعدد هذه المناطق إلا أنها رغم اختلاف أوضاعها، تشترك في اقتصاد واحد مثقل بالحرب؛ فالإنتاج تراجع، وطرق التجارة تعطلت، والنقل أصبح أكثر كلفة، والبنية التحتية تضررت، وموارد الدولة انكمشت، بينما ارتفعت تكلفة تمويل الحرب والخدمات الأساسية في الوقت نفسه.
ويقدر البنك الدولي أن الاقتصاد السوداني انكمش بنحو 29.4% في عام 2023، ثم انكمش 14% إضافية في 2024، بعد الصدمة الهائلة التي أحدثتها الحرب، كما تراجعت الإيرادات الحكومية من نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي في 2022 إلى أقل من 5% خلال 2024 و2025. وهكذا وجد السوداني نفسه أمام أزمة مزدوجة: عملة تفقد قيمتها، واقتصاد إنتاجي لا يملك القوة الكافية لتعويض هذا الفقدان بزيادة الإنتاج والدخول وفرص العمل.
وتشهد الأسواق في مناطق سيطرة الجيش موجة غلاء غير مسبوقة وارتفاع للأسعار تثير السخرية مقارنة بمناطق سيطرة الدعم السريع، وفقاً لما أفاد به مواطنون في حديثهم لـ”راينو” أمس، حيث وصلت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات باهظة تُثقل كاهل الأسر؛ إذ بلغ سعر رغيف الخبز (رغيفتين) 1000 جنيه، وسعر البيضة الواحدة 1000 جنيه، بينما لامس سعر كيلو الدجاج 30.000 جنيه، وتراوح سعر لوح الثلج بين 15.000 و20.000 جنيه. وفي سوق الخضروات والسلع الغذائية، سجل كيلو البامية 8.000 جنيه، وبلغ كيلو الطماطم 18.000 جنيه، بينما استقر كيلو البطاطس عند 5.000 جنيه، والباذنجان عند 3.000 جنيه، في حين تراوح سعر كيلو السكر بين 5.000 و6.000 جنيه، وبلغ سعر كيلو الأرز 10.000 جنيه، والعدس 8.000 جنيه، ورطل اللبن 1.500 جنيه. أما على صعيد اللحوم الحمراء، فقد سجّل كيلو لحم الضأن 40.000 جنيه، وبلغ كيلو اللحم العجالي 30.000 جنيه.
الدولار يسحق الجنيه
مراقبون يرون أن الأمر مرتبط بتوفر العملة الصعبة وبطلها الدولار، فقبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كان الدولار يدور حول 570 جنيهاً في السوق الرسمي آنذاك، وبعد ثلاث سنوات أصبحت الأرقام تبدو كأنها تنتمي إلى عملة أخرى، فبحلول أبريل 2026، تراوح السعر الرسمي للدولار حول 3500 إلى 3600 جنيه، بينما أخذ السوق الموازي مساراً مختلفاً تماماً وقفز في يوليو إلى مستويات تجاوزت 5400 جنيه، وبلغ متوسط التداول نحو 5600 جنيه في 10 يوليو، مع تسجيل مستويات قاربت 5800 جنيه في بعض الأسواق بيد أنه حاليا مس الـ 6000 جنيه وربما أكثر.
ويرى المحللون الاقتصاديون أنه حين يفقد الجنيه قيمته أمام الدولار، لا ترتفع فقط أسعار السلع المستوردة، بل يمتد التأثير إلى السلع المحلية أيضاً، لأن المنتج السوداني نفسه يحتاج إلى الوقود وقطع الغيار والآلات والأسمدة والمبيدات والعبوات والنقل، وهي كلها قطاعات ترتبط بدرجات مختلفة بالنقد الأجنبي، ليصبح الدولار حاضراً في السوق حتى عندما لا يظهر في فاتورة السلعة. والأخطر أن السوق الموازي أصبح، في كثير من الحالات، مرجعاً لتوقعات التجار حتى عندما لا تكون السلعة نفسها مستوردة بالدولار.
وطبقا لما هو متداول فإن شح العملة الحرة بسبب المشترى الكبر ممثلا في حكومة البرهان بالإضافة إلى المضاربات التي يديرها أمراء الحرب وسماسرة السلاح تسببت فيما يبدو انهيار اقتصادي غير مسبوق.
التضخم يقول كلمته
وبحسب متابعات “راينو” أظهر البنك الدولي أن التضخم السنوي في السودان قفز إلى نحو 170% في 2024، مقابل 66% في 2023، ليواصل في الارتفاع ليبلغ 45.84% خلال أبريل الماضي، مدفوعاً بارتفاع أسعار الغذاء والسكن والنقل، واضطراب قنوات التوزيع، وانخفاض الإنتاج ونقص المدخلات، فضلاً عن لجوء السلطات إلى زيادة عرض النقود لمواجهة نقص الموارد.
غير أن الأسر السودانية لا تعيش «معدل التضخم»، بل تعيش السعر الفعلي الذي تدفعه في السوق، فانخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وإنما يعني أن الأسعار ترتفع بسرعة أقل، لتستقر في سعر جديد لا تستعيد معه الأسرة قدرتها الشرائية السابقة.
وفي ظل تآكل القيمة الحقيقية للراتب نتيجة تفوق نسب ارتفاع تكاليف المعيشة على الزيادات الاسمية، لم يعد بعض السودانيين ينظرون إلى الراتب بوصفه دخلاً شهرياً، وإنما بوصفه عدداً محدوداً من الأيام التي يستطيع فيها الصمود قبل أن ينفد الشهر.
معيار القياس اليومي
ويعد الغذاء البند الأنسب لكشف انهيار القوة الشرائية، إذ تلتهم الأسعار الجزء الأكبر من الدخول محدودة ومتوسطة الدخل، وتظل أسعار الحبوب الخشنة مرتفعة بصورة استثنائية بسبب النزاع وضعف العملة.
ونقلت تقارير إعلامية ارتفاع أسعار الذرة الرفيعة بمتوسط 4% خلال شهر واحد في مارس 2026، وفي مايو 2026 حذرت منظمات أممية من أن نحو 19.5 مليون سوداني يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي.
وحين لا يعود الدخل قادراً على شراء السلة الغذائية، تبدأ الأسرة في تقليص الكميات واستبدال اللحوم، والاستدانة، وبيع الممتلكات، وصولاً إلى التضحية بالعلاج والتعليم. كما أن قطاعات أخرى كالخدمات والنقل والسكن والدواء والتعليم تدفع فاتورة هذا الانهيار؛ فتكلفة الوقود المرتفعة تضاعف أجور المواصلات، وأزمة السكن تعقد عودة النازحين والعائدين، والدواء المستورد والمحلي يضع المريض بين خيارات قاسية، بينما يفقد الموظف الحكومي والمعاشي وعامل اليومية والمزارع والتاجر قدرتهم على مجاراة التضخم المستعر.
رؤى وتحليلات
ولا يمكن التعامل مع مناطق سيطرة الجيش اقتصادياً باعتبارها سوقاً واحدة، فبورتسودان وعطبرة والقضارف والخرطوم وود مدني تختلف في تأثرها بحسب موقعها من الموانئ، وحالة الطرق، والأمن، وتوفر الوقود، والسيولة المصرفية، وعدد النازحين، إلا أن جميعها تشترك في ضغط العملة وضعف القدرة الإنتاجية.
ويُضاف إلى ذلك أن انهيار الجنيه يعيد توزيع الثروة داخل المجتمع لصالح من يمتلكون العملات الأجنبية أو الذهب أو الأصول الثابتة، في مقابل تراجع واسع لمن يعتمدون على الرواتب الثابتة بالجنيه، مما يجعل أزمة العملة أداة لإعادة تشكيل بنية المجتمع وتعميق الهوة المعيشية بين مختلف الفئات.
ويرى الخبير الاقتصادي د. عصام علي حسين في حديثه لـ”راينو” أن تآكل الجنية يعني انخفاض قيمته الشرائية أو ما يعرف اقتصاديا بالتضخم وهو من الظواهر الاقتصادية التي تعكس حجم الخلل في سياسات الاقتصاد الكلي. مشيراً إلى أن ذلك يؤثر بصورة مباشر على الوضع المعيشي للمواطنين، وأضاف: “فقدان القوة الشرائية للجنية يعني عمليا زيادة أسعار السلع والخدمات الذي يقود بدورة إلى تقليل الاستهلاك حيث تضطر بعض الأسر خاصة ذوي الدخل المحدود التخلي عن السلع الكمالية وسلع التميز وتركيز مجهودهم على شراء السلع الأساسية والأساسية فقط مما يؤدي الى تقليل جودة الحياة خاصة جودة الغذاء والصحة والتعليم وبالتالي حدوث ما يعرف بالتضخم الركودي وبالذي يؤدي بدوره علي توسيع دائرة الفقر “. وتابع: “تآكل قيمة الجنية يؤدي إلى تآكل المدخرات المالية ويوقف بشكل مباشر عمليات الإقراض بين المواطنين ويزيد من سعر الفائدة في حالة الإقراض البنكي مما يؤثر على الإنتاج”.
وأبان حسين بأن هناك تأثير غير مباشر على حياة الناس من خلال التأثير على الاستثمار وبالتالي يزيد من العجز في ميزان المدفوعات وخلل في الميزان التجاري لأنه يضعف قدرة الدولة على التصدير. هذا بخلاف الآثار الاجتماعية السيئة التي يفرضها التضخم على قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، مثل انتشار الرشوة والفساد الإداري وزيادة معدلات الجريمه.
عموما فإن انهيار الجنيه ليس سوى عرض لأزمة أعمق تمثلت في تعطيل الحرب للإنتاج والصادرات، وتراجع الإيرادات الحكومية، ودفع المواطنين نحو سلوكيات دفاعية بتحويل أموالهم إلى أصول وملاذات آمنة تفقد العملة الوطنية قيمتها وثقتها تدريجياً.
إن كسر هذه الدائرة المغلقة يتطلب مساراً متكاملاً يبدأ بوقف الحرب، ويُتبع بإعادة تشغيل الزراعة والصناعة، وبناء الطرق والطاقة والمصارف، واستعادة الصادرات، وإصلاح المالية العامة، وحماية الأجور والمعاشات، بما يعيد للجنيه السوداني معناه وقيمته الحقيقية حين يثق الناس بأن ما يملكونه اليوم سيظل له معنى غداً.
وكالة راينو