ترس السودان: هل يتوحد الشارع لإعادة بناء الدولة؟
ترس السودان: هل يتوحد الشارع لإعادة بناء الدولة؟
يمكن أن يتحول ترس السودان من متراس في طريق إلى فكرة في المجتمع، ومن احتجاج على قضية محددة إلى مشروع مدني قومي.
د. عبد المنعم همت
لم تبدأ فكرة ترس السودان من فراغ. بدأت من غضب شعبي تجاه نهب الثروات، ومن احتجاج على المساس بالسيادة الوطنية، ومن شعور متزايد بأن الدولة السودانية التي يديرها الإخوان فقدت قدرتها على حماية مواردها ومصالح مواطنيها. لكنها اليوم أمام فرصة أكبر من القضايا التي أطلقتها، بأن تتحول إلى مساحة جديدة لتوحيد العمل المدني السوداني.
الترس كلمة سودانية تحمل معنى واضحاً في الذاكرة الشعبية. هو المتراس الذي يقيمه الناس في الطريق عندما يريدون إيقاف مسار يرونه ضاراً بهم، وقد أصبح خلال ثورة ديسمبر رمزاً للمقاومة الشعبية والتضامن بين أبناء الأحياء. لم يكن المتراس مجرد حجارة أو أخشاب في الشوارع، بل كان تعبيراً عن موقف جماعي يقول إن المواطن يستطيع أن يقف أمام السلطة عندما يشعر أن حقوقه مهددة.
القضية بدأت من شمال السودان، حيث تصاعد الغضب حول المعدنين والذهب وحركة الثروات عبر الحدود وما يرتبط بالعلاقة مع مصر. غير أن استمرارها بهذا الشكل لن يمنحها الوزن الذي تستحقه. الذهب ليس ملكاً للشمال، والسيادة ليست قضية حدودية، والثروة السودانية تخص كل مواطن في هذا البلد. ترس السودان يمكن أن يكون عنواناً وطنياً للعمل المدني حول حماية الثروة والسيادة والكرامة وحق السودانيين في اختيار مستقبلهم. وهذا يتطلب أن تنتقل الفكرة من الاحتجاج المحلي إلى شبكة مدنية واسعة تعمل في جميع أنحاء البلاد، بحيث يكون لكل منطقة دورها ولكل مجتمع قضاياه، مع وجود قضايا وطنية مشتركة تجمع الجميع.
هذه المهمة تصبح أكثر أهمية في ظل واقع السودان الحالي. الحرب أضعفت مؤسسات الدولة وعمقت الانقسامات وأرهقت المجتمع، فيما ظلت القوى المدنية عاجزة عن بناء إطار واسع يستطيع جمع السودانيين حول أهداف مشتركة. وبينما تتصارع القوى المسلحة على الأرض، يحتاج المجتمع إلى استعادة صوته وأدواته المدنية. المطلوب ليس إنشاء حزب جديد، ولا تشكيل تنظيم سياسي مغلق. المطلوب بناء مساحة مدنية مفتوحة تضم الشباب والنساء والطلاب والمهنيين والمزارعين والتجار والمثقفين والإعلاميين وأهل الأحياء والقرى، وتتيح لهم العمل حول قضايا وطنية واضحة.
ويحتاج هذا العمل إلى تطوير أدواته. المتاريس كانت إحدى أدوات ديسمبر لكنها ليست الأداة الوحيدة. يمكن للعمل المدني أن يستند إلى حملات التوعية، والإعلام والتوثيق، والعرائض والندوات، والوقفات السلمية والمبادرات المجتمعية، والتواصل مع النقابات والاتحادات، وفتح النقاش العام حول قضايا الثروة والسيادة والحكم.
القضية الأساسية هي التنظيم. فالغضب وحده لا يصنع تغييراً. يحتاج الغضب إلى فكرة، والفكرة تحتاج إلى تنظيم مدني، والتنظيم يحتاج إلى أهداف واضحة وخطاب يستطيع الوصول إلى المواطن البسيط قبل السياسي والمثقف.
ولهذا يجب أن يكون ترس السودان مستقلاً عن الاستقطاب الحزبي. الأحزاب جزء من الحياة السياسية، لكنها ليست المجتمع كله. وإذا تحول الترس إلى أداة لصالح حزب محدد فسيفقد جزءاً كبيراً من قدرته على جمع السودانيين. أما إذا ظل مساحة مدنية مفتوحة، فإن فرصته في الانتشار ستكون أكبر.
وهنا تظهر علاقته بمستقبل حكومة البرهان. الأزمة السودانية لم تعد أزمة حكومة فقط، وإنما أزمة نظام سياسي كامل فشل في الوصول إلى صيغة مستقرة لإدارة الدولة والحرب والموارد والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني. وأي تغيير حقيقي يحتاج إلى ضغط مدني واسع يستطيع التعبير عن إرادة المجتمع، لا إلى استبدال مجموعة سياسية بأخرى.
لذلك فإن إسقاط الحكومة، مهما كان موقف المرء منه، لا يمثل نهاية الطريق. السؤال الأهم هو ما الذي سيأتي بعد ذلك؟ من دون مشروع مدني واضح قد تتكرر الأزمة نفسها بأسماء جديدة.
ترس السودان يستطيع أن يكون جزءاً من الإجابة إذا تحول إلى مدرسة جديدة للعمل المدني: تنظيم شعبي واسع، مطالب واضحة، وسائل سلمية، خطاب وطني، استقلال عن الاستقطاب، وتعاون بين المناطق والقطاعات.
روح ديسمبر ما زالت حاضرة في هذه الفكرة. ديسمبر أعادت للسودانيين الإحساس بأن الشارع يستطيع أن يكون طرفاً في السياسة، وأن المواطن ليس متلقياً للأحداث فقط. اليوم يحتاج السودان إلى استعادة هذا المعنى في ظروف أكثر قسوة وتعقيداً.
إذا كان الشمال قد بدأ منه الحراك، فإن الشرق والوسط والغرب والجنوب يمكن أن تكون لهم مساحاتهم وأدواتهم وقضاياهم. السودان كله معني بالثروة، والسودان كله معني بالسيادة، والسودان كله معني بمستقبل الدولة.
من هنا يمكن أن يتحول ترس السودان من متراس في طريق إلى فكرة في المجتمع، ومن احتجاج على قضية محددة إلى مشروع مدني قومي، ومن حالة غضب متفرقة إلى قوة شعبية تعرف ماذا تريد وماذا تريد أن تبني.
قد لا يكون الطريق إلى التغيير السياسي في السودان واضحاً حتى الآن، لكن الواضح أن استمرار الحرب والانقسام لا يمكن أن يكونا مستقبل البلاد. وإذا استطاع السودانيون بناء مساحة مدنية واسعة ومستقلة، فقد يصبح ترس السودان واحدة من أهم الأدوات التي تعيد للمجتمع دوره في صناعة ذلك المستقبل.
العرب