عن استراتيجية الحفر بالإبرة: البرهان في متاهته!

عن استراتيجية الحفر بالإبرة: البرهان في متاهته!

 

سعد الدين الماحي

 

تقرير (مُفبرك)، تم بثه على وسائط التواصل الاجتماعي، يزعم أن قناة تلفزيونية ألمانية استضافت خبراء عسكريين (دوليين)، وصفوا (البرهان) بأنه من أكثر العسكريين كفاءة وبراعة، كونه (حافظ) على جيشه بالانسحابات المتوالية لشرق البلاد، ومن ثم العودة لاسترداد الأراضي التي انسحب منها،  عبر تقنيته المستحدثة، والتي أبهرت العالم، تحت عنوان (الحفر بالأبرة)، ولم يبق لهم إلا القول بأن الكليات العسكرية الغربية اتخذت من استراتيجية (الحفر بالإبرة)، مبحثاً للتدريس.

 

وبغض النظر عن زيف التقرير الذي لم تصمد فبركته حتى أمام المحاولات الأولية للتحقق، فإن النظر لما فعل البرهان بالسودان على أنه فيه حقناً للدماء بأي وجه من الوجوه، سواء كانت دماء جنوده أو دماء حلفائه من الإسلاميين أو المواطنين – وهم الفئة الأكثر تضرراً والتي أقسم الجيش على حمايتها – هو أمر يبعث على السخرية، وعلى التساؤل أيضاً:(تُرى ما الذي كان سيحدث لو أن البرهان لم يسهم في حقن الدماء؟).

 

فبصرف النظر عن التقارير الدولية والتحليلات المتخصصة، والتي أشارت إلى أن حصيلة الوفيات الإجمالية نتيجة العنف المباشر والجوع وتدهور الرعاية الصحية تتراوح بين 150 ألفاً و400 ألف، سجل مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLED) ما يزيد عن 58,000 حالة وفاة ناتجة عن الاشتباكات العنيفة المباشرة، معتبرة أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى المحقق.

 

ووفقاً لتقديرات الخبراء فقد مُني الجيش وحلفاؤه بخسائر بشرية هائلة خلال الدفاع عن المقار العسكرية الاستراتيجية الكبرى التي سقطت أو حوصرت لفترات طويلة، مثل معارك الخرطوم، وحصار مقرات سلاح المدرعات والقيادة العامة، فضلاً عن حصار مدينة الفاشر التاريخي، والذي انتهى بانسحاب الجيش بعد معارك ضارية.

 

وقُتل الآلاف من مليشيا (البراء بن مالك) التابعة للحركة الإسلامية المتحالفة مع الجيش، والتي يقدر عددها بحوالي 20,000 إلى 35,000 مقاتل، يتوزعون في جبهات القتال المختلفة. حيث شهدت معارك استعادة (جبل موية) وسنار وولاية الجزيرة، خسائراً بشرية كبيرة وسط هذه المليشيات، وتمت تصفية قيادات الصف الأول والثاني فيها، وفقدت المليشيات الإسلامية عدداً كبيراً من مؤسسيها ومخططيها العسكريين في مواجهات مباشرة أو ضربات نوعية، كان آخرهم القيادي البارز (كمال بور)، والذي قُتل مع عدد من عناصر المليشيا في هجوم بري وجوي استهدف مواقعهم بمنطقة (جبرة الشيخ) شمال كردفان الاسبوع الماضي.

 

الجيش الآن يعتمد على المليشيات بعد أن غابت ملامحه، يجند الأطفال ويستدعي مرتزقة (التقراي) من خارج الحدود. يجد أن القتل قد استعر وسط مليشيات حلفائه الإخوان فيلوذ بحركات الارتزاق المسلح لتسعفه بجنود من تشاد، وتختزل المؤسسة العسكرية إلى زي يرتديه عناصر الحركة الإسلامية والمليشيات المتحالفة معه أو التي حولت ولاءها له ، أو يرتديه (العائدون) أو (المنشقون) أو (التائبون)، أو سمهم ما شئت. يُقايض (البرهان) أرضاً بسلاح، وسيادة باستعمار جديد، ويرهن البلاد للتنظيم العالمي للإخوان.

 

قضى (عبد الفتاح البرهان) على الجيش كمؤسسة بإشعال حرب أبريل صحبة الإخوان المسلمين، وإن شئت التعرف على حال الجيش نتيجة لما فعل البرهان، فانظر إلى الفيديو المتداول عن جندي الجيش الذي أصابه الجنون خلال معركة استرداد (قيسان) الأخيرة، والتي تشرح ما آلت إليه أمور المؤسسة العسكرية، بفضل البرهان.

 

وعليه تصير مقارنة البرهان بأفذاذ القادة العسكريين هو شيء من قبيل البهتان، لكن من المُنصف أن تتم مقارنته بـ(فلاد الثالث) المعروف بفلاد المخوزق (1431-1477) ، والذي تسبب في مقتل ما بين 40,000 إلى 100,000 إنسان خلال فترات حكمه المتقطعة لرومانيا، أُعدم معظمهم عن طريق (الخازوق)، حيث كانوا ينصبون عموداً خشبياً برأس مستدير ومدبب قليلاً ومدهون بالزيت أو الشحم، يوضع المحكوم عليه بحيث يدخل لجسمه من أسفل، ويزيح الأعضاء جانباً دون قطعها في طريقه إلى الأعلى بفعل الجاذبية ووزن الجسم، مما يطيل عمر الضحية لتتذوق أشد أنواع العذاب قبل موتها.

 

لكن حتى (فلاد المخوزق) قُتل بعد شهرين فقط من استعادته للعرش للمرة الثالثة في معركة ضارية ضد العثمانيين وحلفائهم. واختلف الناس في ملابسات مقتله، فمن قائل أنه  تعرض للخيانة من نبلاء بلاده الذين انشقوا عنه أثناء القتال، إلى رواية أخرى تؤكد تخفيه بملابس الجنود الأتراك لشن هجوم مباغت، فظنه جنوده عدواً وهجموا عليه وقتلوه عن طريق الخطأ، قبل أن يدركوا هويته.

 

ومن سخرية القدر أن القادة الأتراك قاموا بقطع رأس فلاد الثالث، وحفظوها في وعاء من العسل لحمايتها من التحلل أثناء نقلها إلى اسطنبول، لتعلق على وتد خشبي (خازوق) كيما يراه العامة، فكان لمصيره من فعله وافر حظ ونصيب. ولطالما شابه (البرهان) فلاد المخوزق في عدد ضحاياه من المدنيين والعسكريين، فلا عجب إن شاركه النهاية والمصير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.